• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

البطالة المستمرة تسببت في «حالة طوارئ اجتماعية واقتصادية». غير أن التغلب على أزمة هيكلية طويلة الأمد من هذا النوع أكثر صعوبة من الخروج من أزمة دورية

فرنسا.. اضطرابات قانون العمل الجديد

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 11 يونيو 2016

سيلفان سيبل*

الشهر الماضي، قام «إيمانويل ماكرون»، المصرفي السابق الذي أصبح اليوم وزير الاقتصاد الشاب في الحكومة الاشتراكية، بزيارة لبلدة لونيل الصغيرة في جنوب فرنسا، فقوبل باحتجاجات في الشارع على خلفية «قانون العمل»، الذي اقترحته حكومته مؤخراً، وأتى إلى البلدة من أجل الترويج له. يومها، تحداه نقابي يرتدي قميصاً رياضياً بالقول: «أنت تملك الكثير من المال، وتستطيع أن تشتري لنفسك بذلة جميلة». ومن دون أدنى تردد أو ارتباك، رد عليه «ماكرون» قائلاً: «إن أفضل طريقة لتأمين ثمن بذلة جميلة هو العمل».

ومنذ ذلك الحين، لقي فيديو هذه الملاسنة على يوتيوب متابعة كبيرة من قبل الفرنسيين، غير أن هذه الملاسنة تعكس، بالنسبة لمعظم الناس في فرنسا، حجم الهوة السحيقة التي تفصل بين ماكرون والطبقات العاملة، إذ يرى الوزير الفرنسي أنه إذا لم تكن تملك بذلة جميلة، فلأنك لا تعمل.

والحال، أن في فرنسا هذه الأيام بات من الصعب على نحو متزايد إيجاد وظيفة، بل إن حتى الأشخاص الذي لديهم وظائف بات من المستبعد أن يستطيعوا توفير ثمن بذلة جميلة، لأن العمل أخذ يوفر أجراً أقل على نحو متزايد، ما عدا بالنسبة للنخب المحظوظة التي يمثلها ماكرون. وعلى غرار الولايات المتحدة، فإن التفاوت في الدخل في فرنسا آخذ في الازدياد.

قانون العمل الجديد يهدف إلى جعل التوظيف أكثر «مرونة» وتحكمه بشكل عام فكرة موجِّهة واحدة، ألا وهي تيسير قدرة الشركات على تسريح العمال، الأمر الذي يَعد مؤيدو القانون بأنه سيجعل سوق العمل «أكثر مرونة»، وسيؤدي على المدى الطويل إلى خلق وظائف أكثر. بيد أن النقابات ردت على ذلك بإضرابات كبيرة في المصافي النفطية، والسكك الحديدية، ومحطات الطاقة النووية، وهو ما هز أسس السلطة في البلاد. وفي الأثناء، ظهرت حركة طلابية متعاطفة تدعى «يقظين طيلة الليل» ما يطرح أسئلة بشأن انتصار الرأسمالية المالية. لكن الأغلبية الساحقة من الطبقة السياسية، والشركات الكبرى، رحبت بقانون العمل، إذ ترى أن الإضرابات تقدم دليلاً إضافياً على أن فرنسا «غير قابلة للإصلاح».

ومع أن لا أحد يعرف بشكل دقيق أي تأثير سيُحدثه القانون الجديد، إلا أن أقلية قليلة جداً من العمال في فرنسا، نقابيين أم لا، يصدقون أن تيسير التسريح سيؤدي إلى مزيد من الوظائف. بل إنهم يعتقدون أنه سيؤدي إلى مزيد من أعمال التسريح، ولكن الأهم من ذلك ربما هو أن الفرنسيين يعرفون التاريخ الحديث ويستطيعون رؤية الاتجاهات العامة. والواقع أن القانون الجديد ليس الأول الذي يؤيد قدراً أكبر من المرونة. فقد شهدت الثلاثون عاماً الماضية التحرير التدريجي لسوق العمل الفرنسي، ولكن ذاك التطور لم يرافقه انخفاض لمعدل البطالة وإنما ارتفاع تدريجي فيها. ولذلك، فإن المضربين عن العمل لا يستطيعون تخيل لماذا سيكون الأمر مختلفاً هذه المرة.

الحكومة لا تقدم جواباً مقنعاً ومطمئناً حول هذه النقطة، ماعدا الإشارة إلى أن الوضع الراهن ليس قابلا للاستمرار، وأن رفض التغيير هو أسوأ خيار ممكن. والحال أنه خلال الثلاثين عاماً الماضية، تقلب معدل البطالة بشكل عام بين 9 في المئة و12 في المئة، مع انخفاض قصير في 2007 و2008. ويقول الرئيس فرانسوا أولاند: «إن البطالة المستمرة تسببت في (حالة طوارئ اجتماعية واقتصادية)». غير أن التغلب على أزمة هيكلية طويلة الأمد من هذا النوع أكثر صعوبة من الخروج من أزمة دورية.

إن الموجة الحالية من الإضرابات ربما تنتهي قريباً. كما أن حركة «يقظين طيلة الليل» تفككت إلى حد كبير حتى الآن. ولكن نظيرتها الأميركية «احتلوا وول ستريت» تركت تركة، إنها فكرة «1 في المئة» وتأثير التفاوتات الاجتماعية المتزايدة. وما يجري في فرنسا حالياً يوضح الاتجاهات العامة المقبلة على نحو مماثل: فحتى تعمل في المستقبل، سيتعين عليك أن تختار تقاضي أجر أقل وتأمين صحي أسوأ ومزايا اجتماعية أقل عن البطالة. أما بالنسبة لأطفالك، فإنهم سيعيشون في عالم فيه قدر أكبر من عدم المساواة مقارنة مع العالم الذي عشت فيه. إنها القاعدة الجديدة.

*كاتب فرنسي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا