• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

نـاس.... ونـاس

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 22 مارس 2014

يوسف غيشان

في الجلسات غالباً، بل دائماً، ما تجد إنساناً فاضي أشغال ولا يملك ما يتحدث حوله سوى التحسر فجأة ودون سابق إنذار على (أيام زمان). وبعد أن يمط الكلمات قدر ما يستطيع ويتأكد من أنه لاقى استحساناً من الموجودين، يستمر في حديث مطول- على ذات الإيقاع- يفيد معناه بأن الناس أيام زمان كانوا أكثر طيبة، وكانوا يحبون بعضهم أكثر، وإن الخير كان متوافراً للجميع (الخبز السمن والزبد واللبن والسمك وما شابهها)، وإن طعم الأشياء كان أطيب كثيراً، والألوان أجمل، والروائح أذكى والربيع أكثر ديمومة واخضراراً والبيوت أوسع والجيران أروع ،وإن وإن وأن.

وغالباً ما يسترسل هذا الكائن الماضوي في المقارنة بين ناس الأمس وناٍس اليوم، ويؤكد بأن الأخ يشهد الآن على أخيه في المحكمة، والناس جميعاً لم يعودوا أهلاً للثقة... فقد اختفت البساطة، ولم يعد للأخلاق من معنى، ولا لهيبة الكبار من معنى ولا للخجل من معنى ولا للأنوثة من معنى، وغالباً ما يتفق جميع الجالسين معه في النهاية بأن أيام زمان أحسن وأروع ويتمنون العودة إليها، فهي أفضل كثيراً من الوضع الحالي البائس.

اعتقد أن هكذا حواريات هي جزء مهم من سيكولوجيا الإنسان العربي.... تحديداً: هذا هو الجزء المدمر الذي يستخدمه الأعرابي الساكن في دواخلنا، ويحاول شدنا إليه دوماً.. إلى بداوتنا، لذلك فهو (الأعرابي الساكن) في حالة عداء دائم ودائب مع المدنية ويسعى إلى تدميرها لتعود الحياة من جديد إلى البداوة. وهو ينجح كثيراً في الواقع... حيث تمت أكثر من مرة إعادة الوضع من المرحلة المدينية الحضارية إلى مراحل اقل مدينية وتقدماً.

وتاريخنا مليء بالحواضر التي تحولت أطلالاً وبواد مرة ثانية وعاشرة. هكذا نتقدم إلى الأمام ثم نتقهقر للخلف حسب قانون الفعل ورد الفعل وكأنك (يا أبو زيد ما غزيت)، لكأننا نحمل لعنة تجعلنا مشدودين الى الماضي بـ (أمراس كتّان شدت الى يذبل)، على رأي المرحوم امرؤ القيس في معلقته.!!

برأيي غير المتواضع فإن اليوم... اللحظة..الآن.... الواقع، مهما كان حجم تعقيداته وتحدياته فهو أفضل من الأمس، وناس اليوم أكثر عقلانية وأكثر محبة لبعضهم (خصوصاً الأخوة) لأن ضرورات الحياة فصلت العلاقات الاقتصادية والملكيات المتشابكة وأماكن السكن المتداخلة والسلطات الأبوية، ولم يعد هناك (وطي) و(دواقير ) وموارس يتنازعون عليها وعلى حدودها عند الحصاد، ولم يعد من يصحو أبكر يتسلل إلى حدود الأرض المفتلحة ويغير مكان الأوتاد حتى يسرق شوال قمح من أرض أخيه أو ابن عمه، أو جاره. والناس اليوم أكثر تديناً بكثير.

الطعام الآن أكثر تنوعاً وأفضل طعماً وأكثر توافراً لأكبر عدد من الناس.. الماء أنظف ويصل إلى البيوت كذلك الكهرباء وأدواتها المتنوعة في تحسين شروط الحياة وتشخيص الأمراض وعلاجها، ووسائل الراحة والنظافة.

لا ننكر أن هناك الكثير من المشاكل والتعقيدات والسلبيات في المجتمع الحالي، لكن علينا مواجهتها، وليس قضاء الوقت في النواح على ماض لن يعود.

في المجمل فإننا عباقرة في دفن الإنجازات والعودة إلى نقطة الصفر وما قبلها... لذلك صرنا صفراً على الشمال، ونحن مرشحون - إذا ظلينا ع هالرشّة- للخروج حتى من هامش دفتر التاريخ.

ghishan@gmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا