• الأربعاء غرة رجب 1438هـ - 29 مارس 2017م

زينب السجيني وأحمد عبد الكريم يعرضان في قاعة واحدة

الأستاذة والتلميذ.. حوار اللون والمضمون على أرض «الواسطي»

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 14 يناير 2017

مجدي عثمان (القاهرة)

بين الأستاذ وتلميذه علاقة خاصة أساسها التقدير والاحترام، ولعل تلك العلاقة تتأكد جلياً في المعرضين المقامين حالياً في قاعة الفن بزمالك القاهرة للفنانة الكبيرة زينب السجيني «الأستاذة» والفنان أحمد عبدالكريم «التلميذ»، الذي أصبح يجاور أستاذته في التدريس في كلية التربية الفنية، ولا أحد يزور معرض عبدالكريم إلا ويؤكد عليه ضرورة زيارة معرض أستاذته السجيني.معرض عبدالكريم «تحية إلى الواسطي» يشهد على علاقة بعيدة تربطه بأستاذته السجيني، فهذا المعرض من عنوانه، هو تحية غير مباشرة بتفرد أستاذته التي نالت درجة الدكتوراه عن بحثها في المنمنمات الإسلامية، وخاصة مقامات الواسطي.

وأكدت السجيني أن اختيارها لرسوم يحيى بن محمود بن يحيى بن أبي الحسن «الواسطي» كبحث لنيل درجة الدكتوراه جاء لكونه رائداً للمدرسة العربية في القرن الـ 13 الميلادي، حيث كان يعمل رساماً لدى الخليفة المستنصر بالله العباسي ما بين العامين 1242 - 1258، وزوق أكثر من نسخة من مقامات الحريري وغيرها من أمهات الكتب العربية، ويعتبر مؤسس مدرسة بغداد للمنمنمات، والتي أطلق عليها مصطلح «الواقعية الجديدة» لما تحمله من رؤية واقعية، على الرغم من إلغاء البعد الثالث، إلى جانب تميزها برؤية ثاقبة في رصدها للواقع بمختلف عناصره وجمالياته، وإنه قد حقق في رسومه لمقامات الحريري أكبر إبداع تشكيلي عرفناه في تراثنا العربي.

وقال د. فرغلي عبد الحفيظ عن معرض زينب السجيني «تتواصل السجيني مع مفرداتها التي عشقتها وتعشقها دائماً، مفردات مصرية تحتضن الواقع الحالم وتلامس الجذور العتيقة الرصينة، عالم الطفولة والأمومة هو العالم الذي حرك دائماً ولا يزال يحرك مشاعرها وانفعالاتها، وهيمن بالأمس ولا يزال يهيمن على رسائلها المليئة بالحب والسلام والونس والدفء الإنساني، فزينب السجيني هي دائماً فنانة الحنان والسلام، تحركت وتتحرك تكويناتها وألوانها دائماً في اتجاه تحقيق هذه المشاعر».

وأضاف «في أعمال معرضها هذا يتألق الأصفر الدافئ مع الأبيض، ويتحقق (الونَس) الذي تسعى دائماً إلى تحقيقه وبثّهُ للمتلقي، وذلك كله مدخل متفق عليه عند التقديم لأعمالها، غير أن هذا المعرض بالتحديد ضم ولأول مرة مجموعة جديدة صغيرة الحجم، لكنها كبيرة المحتوى والدلالة والمعنى والمغزى، تحتضن هذه المجموعة من الأعمال مجموعات من الأطفال والكبار تتحرك بعفوية واضحة، وبطلاقة غير مسبوقة، تكسوها الألوان البنية، وتحقق تكويناتها إيقاعاً من نوع إضافي جديد حتى تكاد تسمع أصوات حركة الأشكال ونغم التكوينات، إنه تمرد أكسب هذا المعرض مذاقاً خاصاً».

أما عبدالكريم فقال د.ياسر منجي عن تجربته «أحمد عبدالكريم حين يتوَجَّهُ بتحيَّتِه البصرية صوب نموذجٍ عارمٍ، على المستويين البصري والدلالي، آتٍ من سياق القرن الثالث عشر الميلادي، يكون قد انتقى مرجعيةً سبق وأن أبدعتها يدُ واحدٍ مِن أهم مُصَوِّري العصر العباسي، في حوالي مئة منمنمة أخرى، ضَمَّتها مخطوطةٌ ذائعة الصيت على مستوى العالم، رسمها ذلك المصور وخَطّها خِصِّيصاً لأشهر عملٍ قصصيٍ عرفه ذلك العصر، ألا وهو «مقامات الحريري»، والتي ألّفها الأديب البَصْري الشهير «محمد بن القاسم الحريري»، بادئاً في كتابتها عام 495 ه/‏‏1101 م، ومنتهياً منها عام 504 ه/‏‏1110 م. وبعد مرور حوالي 127 عاماً على انتهاء الحريري من تأليف مقاماته الشهيرة، عادت المقامات لتحتل دائرة الاهتمام الإبداعي من زاوية جديدة، هي زاوية الفن والجمال، وذلك بعد أن اختَطّ الرسام والخطاط العربي الشهير يحيى بن محمود الواسطي نسخة مصورة من المقامات العام 1237 م، زينها بمئة منمنمة من رسومه، وكان عمله هذا أول عمل في التصوير العربي يُعرَف باسم مبدعه بسبب توقيعه عليه، ونظراً لما تمتعت به هذه النسخة من جمالٍ، فقد حازت شهرةً واسعةً، تعدّت حدود المحلية إلى العالمية، مَدينةً في ذلك لسِمات أسلوب الواسطي الذي تميز بالتفرُّد والتمرد على القواعد الفنية التقليدية، وقدراته المذهلة في التعبير عن السمات النفسية لأبطال المقامات، وحلوله التكوينية المبتكرة، التي عزَّزَت حيوية النَصّ والصورة معاً، وهذه النسخة محفوظة حالياً في المكتبة الوطنية الفرنسية بباريس».

وفق هذا الزخم المرجعي - على المستوَيَين النَصّي والبصري- على قول منجي- ينطلق أحمد عبدالكريم في تجربته الراهنة، مُزاوِجاً بين عناصِره البصرية الأثيرة، التي باتت تُكَوِّنُ مفردات قاموسِه الجمالي الدلالي، كالهدهد، والنخلة، والحمار، والسمكة، والمركب، والتوريقات النباتية، والاختزالات الخطية للعلامات والرموز المُستَجلَبة من السياقين الشعبي والشرقي على رحابَتِهما.

وتَصِل الجسارة بـ «عبدالكريم» حَداً، يعمَد معه، في كثيرٍ من أعمال تجربتِه تلك، إلى إعادة تفكيكِ بعض تصاوير الواسطي، وإعادة تركيبها وفق منطقٍ جديد، يُقيمُ اعتباراً لخصوصية مفرداته الخاصة، ويعيد توليفها وتَسكينِها في نسيج عالم الواسطي الرحيب، غير أن عبدالكريم، وهو يمارس لُعبَتَه الحُرّة الجسورة لا يُغفِلُ اعتباراتٍ أساسية، في صُلب عملية البناء البصري، إذ نجده حريصاً على حفظ المُقَوّمات التكوينية للأعمال، وترسيخ قِيَم التوازُن والتناغُم والإيقاع، بين مفرداتِه ومفردات الواسطي.

ولعل اشتغالِه اللافت للانتباه على تصويرة «قافلة الجِمال» الشهيرة، خير مثالٍ على ما سَلَفَت الإشارة إليه، إذ نجده مستلهماً إياها في أكثر من عملٍ، مستخرجاً في كل مَرَّةٍ نَسَقاً جديداً من أنساق التوليف التكويني.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا