• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

قدم ضمن المسابقة الرسمية لأيام الشارقة على خشبة مسرح قصر الثقافة

بالفيديو .. «أوركسترا».. ثنائية القتل والحياة تتمازج مع سحر الكرسي والسلطة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 21 مارس 2014

محمود عبدالله (الشارقة) ـ تبدأ مشكلة قراءة عرض «أوركسترا» ـ نص حميد فارس، وسينوغرافيا وإخراج مبارك ماشي، وتابعناه أمس الأول على خشبة مصر قصر الثقافة، ضمن المسابقة الرسمية لأيام الشارقة المسرحية في نسختها الرابعة والعشرين ـ من اعتباره عملاً ينتمي للمسرح الموسيقي، وقع ربما عن غير قصد في فخ قضية تغليب الشكل على المضمون.

هنا مسرحية سياسية، وفانتازيا رمزية في تسعة مشاهد تعالج في إطار من فن التراجيكوميديا وتكنيك الحلم، ظروف الشارع العربي الحالية (مرض السلطة والكرسي)، وتجملها في سؤال: كيف تصنع الديكتاتوريات وكيف تفسد السلطة أبناءها؟ أما فكرة العرض غير محدد المكان والزمان، فتدور حول مايسترو (لعب دوره حميد فارس)، ينجح في تكوين فرقة موسيقية من مجموعة عازفين مشردين مهملين، يقتاتون من عزفهم على أرصفة الشوارع، وكان جل حلمه من خلال هؤلاء الجبناء كما يصفهم الوصول إلى منصب رئيس نقابة الموسيقيين، هؤلاء الذين يمثلون الأغلبية الصامتة وكيف كانوا حتى قبل أن يصل الحدث الدرامي إلى ذروته سعداء باستغلالهم، لكنه كان يصطدم على الدّوام بمعارضيه داخل الفرقة وعلى رأسهم عاملة النظافة (لعبت دورها ريم الفيصل)، وعندما لم يتحقق له ذلك، راح في فوضى جنونية كشفت عن جمال المشهد الأخير، حينما قام بحرق معارضيه الذين رفضوا ترشيحه للمنصب، وقد أحضر مجموعة من الدّمى لكي يعزف لها سيمفونيته الأخيرة، معلنا نفسه رئيساً عليها.

نص الصورة

لقد كنّا في عرض «أوركسترا» أمام نص الصورة والمشهدية البصرية، بعد إن احتلت الموسيقى المؤلفة خصيصاً للعرض (صمم الموسيقى فاضل عباس) مكان الكلمة، وحلّت الفنون المعاصرة المتطورة، من رقص تعبيري حديث متماه مع حواف من فن البالية، وأداء البانتوميم، وتشكيلات حركية جمالية، وفن التشخيص.. حلّت مكان الأداء التمثيلي التقليدي، لكننا في الواقع كنّا سعداء بهذا المخرج الطموح الذي أحال فضاء المسرح إلى لوحة تشكيلية، لعبت فيها الموسيقى والإضاءة والأزياء المسرحية (صممت الأزياء والماكياج روز أدريانا) أدواراً رئيسة لتوضيح فكرة النص التي أقامها الكاتب على مستويين من اللغة الفصيحة، القريبة إلى حد ما من لغة الشارع، ومستوى التعبير الصوتي واستثماره كنوع من المؤثرات الحية لخدمة الشكل الفني. وما جعل الفكرة ذات صلة بالواقع الراهن، لا سيما وأنه يعالج موضوعاً يدور حول الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، وفكرة مؤداها أن من يبيع نفسه لا يستطيع أن يستردها، وهو ما حدث تماماً لفرقة موسيقية تمثل واقع الشعب أو الأمة حينما صنعت ديكتاتورها مقابل لقمة عيش، كما أقام المخرج خطته أيضاً على مستويين من الأداء الموسيقي البارع (عازف الناي إبراهيم القحومي، عازف الساكسفون محمد مرشد، عازف الكمان محمد اليماحي، عازف الكمان والجيتار جابر محمد) والذي كان مرافقاً للحوارات والمونولوج الداخلي، ومستوى حركة الممثلين الذين زادوا على خمسة وعشرين ممثلاً وممثلة، وتشكيلاتهم الهندسية البديعة، وأداء الجوقة، ما أخرج لنا في النهاية عرضاً موسيقياً راقصاً، كشف لنا عن طبيعة التأثير الجمالي في فنون العرض الموسيقي.

إطار شاعري

ولكن لا يخلو هذا العرض الرشيق الذي نعتبره فاتحة لمثل هذا النوع من العروض، مثل ضياع بعض التفاصيل في فكرة النّص لصالح الشكل والمشهدية، وغياب علامات النص سواء على مستوى رسم الشخصيات الرئيسة أو على مستوى الصراع الذي كان يخبو لصالح الصوت الموسيقي، وعدم اشتغال المخرج على بعض الممثلين وصقلهم على مستوى الأداء، ولعل ذلك يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن مجال التشخيص والتمثيل الذي قاده ببراعة الممثل الصادق في تعبيره حميد فارس بدور المايسترو، وكيف صاغه في إطار شاعري شفيف، محتلاً فضاء المسرح في أداء مسرحي رفيع وبخاصة أداءه للمونولوج، والذي يحسب لمخرج العرض هو اختياره الواعي لأكثر العناصر التمثيلية التي أسهمت في تركيب هذا العمل المعقد المركب الأجزاء والمشاهد التي جاءت في إطار مونتاجي شبيه بشريط السينما، وعلى رأس هؤلاء الممثلة ريم الفيصل بدور عاملة النظافة بكل ما فيه من صدق وتحد وقوة تعبير، ويليها كل من راشد النقبي، علي عبيد، فؤاد محمد في جماليات تعبيرهم في حدود شخصياتهم.

إن فكرة المسرحية في مزجها بين الموسيقى والكلمة والحركة والتشكيل والرمز والإسقاط لمعالجة الراهن في الموقف السياسي، لا شك فكرة جريئة، خاصة إذا جاءت من مسرح خورفكان، بظروفه ومواصفاته، ويبقى أن نشير إلى ظاهرة هذا التدفق الجماهيري غير المسبوق لمشاهدة هذا العمل، الذي نعتبره حدثاً فنياً كبيراً تشهده الأيام، وصفق له الجمهور طويلاً، أما كاتب النص، فهو مكسب كبير، نظراً لما يتمتع به من موهبة وبصيرة نافذة، واستشرافية في استخدام الرمز والدلالات الموحية والإشارات.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا