• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

يشار كمال سُجِنَ بقصَّة.. وحوكم بسبب مواقفه السياسية

عندما تكون الكتابة نبيلة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 مارس 2015

حسّونة المصباحي

برحيل يشار كمال عن سنّ تناهز الـ 92 عاماً، تكون تركيا قد فقدت أعظم كاتب عرفته خلال القرن العشرين. كاتب عرف كيف يعكس في أعماله، وفي أفعاله ومواقفه، روحها العميقة، روح الفلاحين الفقراء، والكادحين، والمهمشين، وصعاليك الجبال الطيبين، الذين يسرقون الأغنياء لإطعام الفقراء، والأيتام. وروح أشباه بطله الشهير «محمد النحيف»، الذين تجبرهم الظروف على أن يعيشوا حياتهم كسلسلة من المغامرات الخطيرة، التي تبهجهم عوض أن ترعبهم، وتثني عزائمهم عن المضي إلى الأمام دائماً وأبداً.

ثمة وشائج روحية، وتجاذبات فنية بين يشار كمال وبعض كبار القرن العشرين من الكتاب، أمثال: ويليام فوكنر، جابريال جارسيا ماركيز، خورخي امادو، ارسكين كالدويل، وجون شتاينباك. فمثلَ هؤلاء قام هو أيضاً بإخرج الرواية من المدينة الكبيرة إلى الأرياف، والجبال، والقرى المهملة والمنسيّىة لتكون الفضاء الأمثل لأحداث قصصه وروايته. ويعود ذلك إلى منشئه، وإلى سنوات طفولته ومراهقته. فعند مولده عام 1923، والذي تزامن مع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وقيام النظام الجمهوري بزعامة أتاتورك، انتقلت عائلته الكرديّة من منطقة الأناضول الشرقية إلى منطقة جبال «طوروس» المواجهة للبحر الأبيض المتوسط. وقد تميزت تلك الفترة العصيبة بتقلبات، وعواصف سياسية، وهجرات إجبارية للعديد من السكان، وتحوّلات على صُعُد مختلفة ومتعددة.

حياة وعرة

في سنّ الرابعة، فقد الطفل يشار إحدى عينيه بسبب ضربة سكين تلقاها عندما كان والده منشغلاً بذبح كبش عيد الأضحى. وفي الخامسة من عمره اكتشف الطفل الشر الكامن في النفس البشرية، وتحرُّق الأفراد والجماعات للانتقام من بعضهم البعض، مقترفين جرائم بشعة بهدف إرضاء نزعاتهم الشيطانية. فذات يوم، أمام مسجد القرية، قام احدهم بقتل والده أمام عينيه. وسوف يظلّ ذلك الحادث الأليم ماثلاً في ذاكرة يشار كمال، وسيحضر في صور مختلفة في العديد من رواياته وقصصه. وفي تلك الأرض الوعرة القاسية حيث يكثر القرّاص والشوك، الذي «ينهش السيقان مثل كلب»، شرع الطفل يشار في التدرّب على مصاعب الحياة، وابتكار الحيل الكفيلة بتجنيبه الحبائل التي ينصبها البشر لبعضهم البعض. وفي ما بعد سيقول: «أنا رعديد، وأكره الأبطال، غير أني لا أستطيع أن أمنع نفسي، مثل الكثير من الناس، ومن أن أركض متجاوزاً خوفي!».

مبكراً، رمى الفتى يشار كمال بنفسه في معترك الحياة. وكان عليه أن يتنقل بين مهن وضيعة ساعدته على التعرف على أحوال البلاد والعباد تماما مثلما هو الحال بالنسبة لمكسيم غوركي، الذي أوحت له أيام الشقاء والبؤس، التي عاشها في طفولته ومراهقته بكتابة رائعتيه: «بين الناس»، و»جامعياتي».

ومبكرا أيضا أظهر يشار كمال شغفا بقصص الرواة الشعبيين، الذين كانوا يجوبون القرى، ويحضرون في الأسواق الشعبية لرواية الأساطير والحكايات العجيبة عن أزمنة بعيدة، وعن ممالك اندثرت، وعن بشر غريبي الأطوار، وعن أميرات شرقيات هزمن الغيلان، وانتصرن على أشرار الرجال، وعن معارك تكثر فيها الدماء وجرائم الانتقام.. وفيما بعد سوف يعترف يشار كمال بأن أولئك الرواة الأميين كانوا معلميه، وأنه كان يحلم، وهو يستمع إليهم بأن يكون مثلهم ذات يوم. وسوف يضيف قائلاً: إنه كان يحس وهو يستمع إلى الرواة بأن جزءاً منه كان يسبح في دم الآخر، وأنه كان يشاهد في أحلام اليقظة رجال يتقاتلون، وخيولاً تركض في السهوب مضرّجة بالدم! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف