• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

نحن لا نسكن عالماً بل نقيم ضمن حدود اللغة

لا أحد منا رأى العالم عارياًً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 مارس 2015

سعيد بنكراد

تبدو واجهات الوجود فقيرةً قياسا إلى تنوع التجربة الإنسانية وغناها. ذلك أن «الوجود الفعلي» لا يستوطن العيان العيني وحده، إنه مودع، في ما هو أبعد من ظاهر الأشياء والكائنات، ضمن ما تأتي به اللغة من خلال سيرورة التمثيل ذاتها. فاللغة لا تعين عالما خاما ولا تستنسخ وقائع، بل تعيد تشكيل كل شيء وفق منطقها في التقطيع وصياغة الحدود بين الكائنات والأشياء.

لا أحد منا رأى العالم «عارياً»، لقد ورثناه، كما هو جاهز، ضمن تجربة تُعيد إنتاج نفسها.. ضمن عوالم الوجود الرمزي كله، «فلا وجود للرمزية قبل انبعاث الإنسان المتكلم» (ريكور). وهو ما يعني أننا لا نسكن عالماً، بل نُقيم ضمن حدود ما تصفه اللغة وتصنفه وفق قوانينها، فهي «بيت الكينونة» الأسمى (هايدغر)، أو هي «الشاهد على براءة ضاعت منا إلى الأبد» (ج. غوسدورف).

وهذا دليل قطعي على أن المعنى ليس رصدا لمعرفة موضوعية موجودة في الطبيعة خارج حالات التمثيل المفهومي، بل هو حصيلة ما تأتي به الممارسات الرمزية كما تتسلل إلى النصوص وإلى أشكال التصرف في المحيط والسلوك الاجتماعي في الوقت ذاته. فلا دَخْل للمنافذ الحسية في ذلك، فما يأتي منها ليس سوى إشارة إلى «اصطدام» وعي يهفو إلى موضوعات بما يؤكد وجوده ووجودها في الوقت ذاته، أما المعنى فيتطور ضمن صيغ مضافة بلورها الإبصار والسمع والذوق... من أجل تجاوز محدودية الإدراك الحسي: فنحن نُحَدق ونرنو ونحدج، وننصت ونصيخ السمع ونسترقه، ونتلذذ متعة أو نتقزز، ونتحسس المحيط، إننا نفعل ذلك كله في الثقافة وحدها، خارج الفعل الحسي، بعيدا عن حاجات الإدراك المباشر. ولو لم يكن الأمر كذلك لما انتابنا الرعب من كائنات هي إفراز لحالات القلق والضعف فينا، من قبيل الجن والغول والعفاريت والكثير من الكائنات التي لا تُرى.

الطريق إلى الحقيقة

لذلك لا نتعرف، في جميع هذه الحالات، على كون «موضوعي» مستقل بذاته، بل نتحسس الطريق إلى ما تُخْفيه اللغة أو ما تقوله عنه، فداخل هذه اللغة وحدها تتناسل سياقات تستوعب عمليات البناء والتلقي والتداول في الوقت ذاته. ذلك أن نظام الأشياء خلاف نظام الكلمات، فنظام الأشياء مرئي في ذاته خارج حالات التمثيل الرمزي، أما الكلمات فلا تحيل على شيء آخر غير الكلمات ذاتها، فالحقيقة فيها وحدها، تماما كما يمكن أن تكون خزانا للضلال والتيه وكل أشكال التزييف، إن العالم ناطق في اللغة لا في مادياته من الكائنات والأشياء. وهذا ما يؤكد أن إيحاءات التَّمَثُّل وممكنات الافتراض أعمق بكثير من واجهات الإدراك المباشر. إن الذهنيات البدائية وحدها تَرى في الكون سلسلة من الـمَجَرات المشخصة يرتبط بعضها ببعض وفق منطق الإحالات الحرفية والمعنى التقريري، وتلك هي سمات الفكر التناظري.

استنادا إلى هذا، وجب التعامل مع كل الوقائع من زاوية تعدديتها في الدلالة والتداعيات والإسقاطات المضافة، وتلك خاصية من خاصيات الوجود الإنساني، ذاكرة الرمز فيه أقوى من كل الذاكرات. لذلك لا يجب البحث عن المعنى في ما يشير إليه التعيين المباشر، ولو كان الأمر كذلك لما استشعر الناس الحاجة إلى قراءة الشعر والرقص، ولما عشقوا غروب الشمس، ولما استهواهم ما خطته اليد على جدران الكهوف منذ آلاف السنين. هناك في الذات وفي السياق ما يكفي من الإحالات لكي يصبح النص مستودعا لكل ما ينبعث من عوالمه وما يأتيه من القارئ، وما يتسرب إليه من السياقات القريبة والبعيدة في الوقت ذاته. فالحقيقة لا تختفي في مركز قَصِي غامض وملتبس تُحيط به الأسرار من كل الجوانب، بل تُبنى ضمن هذه السيرورة وحدها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف