• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

في وسط بغداد، يعمل الحلاقون كما لو أنهم فرقة مناهضة لـتنظيم «داعش» الإرهابي، أحدهم يقول: «داعش عدونا وعدو العراق»

حلاقو بغداد.. «فرقة» ضد «داعش»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 08 يونيو 2016

هوغ نايلور ومصطفى سالم

كل شيء تقريباً في متجر حلاق في العاصمة العراقية بغداد يختلف تماماً مع المسلحين المتشددين الذين استولوا ذات يوم على بلدات الحلاقين العاملين في المتجر. والحلاقون هنا بارعون في تصفيف الشعر وتثبيته، ليصبح الزبون أكثر أناقة، وهي أمور تمقتها جماعة «داعش» بشدة. والحلاقون أنفسهم يصففون شعرهم بعناية ويدخنون بشراهة ويلقون اللعنات، وجميعها آثام محل عقاب عند «داعش». وكابد حلاقو المتجر معاناة استثنائية؛ لأن «داعش» أغارت على بلداتهم الأصلية، وقتلت ذويهم الأقربين وأصدقاءهم.

لكن هنا في وسط بغداد، يعمل الحلاقون كما لو أنهم فرقة مناهضة لـ«داعش»، ويؤكد أحد الحلاقين، ويدعى أركان إسماعيل البالغ من العمر 21 عاماً، وهو يمر بالمشط في شعره المصفف بعناية فائقة أن «داعش عدونا وعدو العراق، لقد حاولوا قتل عشيرتي برمتها». وكان إسماعيل قد فر من بلدة هيت بعد فترة قصيرة من استيلاء «داعش» عليها قبل عامين. وقاومت عشيرته «البونمر» المتشددين، ودفعت ثمناً غالياً لهذا. فقد قتلت «داعش» مئات منهم، وألقت بجثث عشرات منهم في مقبرة جماعية قرب هيت في محافظة الأنبار غرب العراق. وتحدث إسماعيل عن كيفية إطلاق الجماعة النيران على أحد ذويه المقربين وأبنائه الثلاثة في وضح النهار.

وصب إسماعيل لعناته على «داعش»، التي كان من الممكن أن تفتك به لولا هروبه بصحبة أسرته بحثاً عن ملاذٍ آمن. وبعدها حررت القوات العراقية بلدة هيت. لكن العودة للبلدة ما زالت خطيرة. وذكر إسماعيل أن أحد ذويه وصديقه لقيا حتفهما في تفجير سيارة في الآونة الأخيرة. وأعلنت «داعش» مسؤوليتها عن الهجوم. وأدت عمليات «داعش» وتصدي الحكومة لها إلى نزوح ملايين العراقيين بما في ذلك أربعة من الحلاقين الخمسة العاملين في المتجر. ويعتز مالك المتجر بتوظيف أبناء وطنه النازحين، وأكد أنه يفعل هذا متعمداً. وأضاف الرجل الذي اشترط عدم نشر اسمه بسبب المخاوف الأمنية «هذه طريقتي في مساعدتهم ومساعدة بلادي». والمتجر الذي أقيم قبل عامين يوظف حلاقين من السنة والشيعة وهما أكبر طائفتين دينيتين ساعدت النزاعات بينهما على تمزيق البلاد. وداخل متجر الحلاق، هناك نوع من الألفة أكثر من الضغائن الطائفية. ويصر المالك على أن الطائفية لا مكان لها في المتجر. وهو بذلك يعزز المناخ الذي يُذكره بالأيام الخوالي حين كان العراقيون لا يعملون، بل ولا يتزوجون على أساس طائفي وديني. وحين سئل صاحب المتجر عن ديانته، قال «أنا من العراق!». والعاملون في المتجر أكثر اهتماماً، فيما يبدو، بالحديث عن أحدث التقاليع في تصفيف الشعر عن اهتمامهم بالحديث الطائفي الذي مزق العراق. وتحدث محمد سلطان البالغ من العمر 29 عاماً عن إجادة فن تصفيف الشعر.«سلطان»، فر من مدينة الموصل بعد أن استولت عليها «داعش» في يونيو العام 2014، وهو يقول إن إجادة تصفيف الشعر تتوقف على مهارة اليدين. وبعد الهجوم على المدينة اعتقلت الجماعة المتشددة شقيقه يونس الذي مازال في عداد المفقودين ويُعتقد أنه قتل. والمتجر نفسه ليس مبهرجاً. وأشار الحلاقون في المتجر إلى المهارة الاستثنائية لأحد زملائهم ويدعى أسامة نوري. وفر نوري البالغ من العمر 27 عاماً من مدينة الفلوجة مع أسرته عام 2008 بعد أن عايش تمردا دمويا من متشددين على صلة بتنظيم القاعدة ضد القوات الأميركية المحتلة في ذاك الوقت. ووصف كيف قررت أسرته أن الوقت حان للرحيل بعد أن اغتالت الجماعة التي أصبحت «داعش» فيما بعد أحد الأقارب لانضمامه للشرطة. ورفض نوري الإسهاب في تفاصيل عما لاقاه من أذى حين كان شاباً. وأظهر وشماً على ساعده. ويشك نوري في أنه يستطيع العودة إلى الفلوجة المعرضة للدمار بسبب القتال الدائر هناك ضد «داعش». وقرر نوري فيما يبدو أن يستسلم لمستقبل غير مؤكد مثل معظم العراقيين. لكن لديه على الأقل حالياً صحبة من مصففي الشعر الذين يشتركون في المعاناة ولذا يدعمون بعضهم بعضاً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا