• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

أيها الشعراء: كونوا أطفالاً... ولكن بوعي جمالي

الشعر.. وعرانيس الذرة الصفراء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 مارس 2014

حنا عبود

سننطلق من مقولة أن المخلوق البشري يجسد في تطوره مسيرة البشرية، ليس بيولوجياً فقط، بل أيضاً يجسد الموروث العاطفي والفكري والجمالي... وكل المخاوف والتطلعات التي مرت بها البشرية، كما يقول كارل يونغ. ومنذ ظهور علم النفس قبل ما يقرب من قرن ونصف القرن، لم يظهر من يدحض هذه المقولة. وربما كان المظهر الأدبي عالمياً أكبر البراهين على هذه المقولة. فلماذا كان الشعر الوجه الأول للنشاط الأدبي، لو لم تكن البشرية قد مارست هذا الوجه في مرحلة طفولتها؟ ولما كان النشاط الفكري ينمو على حساب الخيال، فإن من الطبيعي أن يتأخر النثر في الظهور بعد ظهور الشعر بمرحلة طويلة جداً، حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الموقف الشعري هو الموقف الأدبي الحقيقي، وما النثر سوى إخضاع الموقف الشعري لقوانين فكرية، بعضها حدّ من الاندفاع الخيالي.

النثر مسامرة تجري حول الموقف الشعري. فحتى «التاريخ»- وهو فن نثري، بعد أن كان يكتب شعراً- ليس أكثر من موقف أدبي للمؤلف يفضحه سرده الأحداث وتصويره الشخصيات. ولو نظرنا في المؤرخين الإغريق الأوائل، وهم من يسلم لهم الباحثون- وفي مقدمتهم أرنولد توينبي- بالحيادية، لوجدنا الموقف الأدبي يتسرب في الأحداث والشخصيات، فلا يستطيع هيرودوت إخفاء إعجابه بالفن المصري، على سبيل المثال.

ما نريد تأكيده أن الموقف الأدبي قائم على الموقف الشعري، كما تدل على ذلك الآثار الأولى للأدب. وقد ظهر الموقف الشعري في طفولة البشرية، تماماً كما يظهر في الطفل عندما يصل إلى اليفوعة، إذا كان نموه بعيداً عن السلطات القمعية في البيئة الحاضنة الموروثة من بيئات منغلقة. باختصار نشير إلى أن النمو العاطفي الحر للطفل سيجعل المظهر الشعري أول المظاهر، وما سمعنا من أحد أنه بدأ نشاطه إلا بالشعر: كطه حسين ومصطفى لطفي المنفلوطي، والمازني والعقاد... والأمثلة كثيرة وبخاصة في علم النفس الأدبي. وباستثناء الموسيقى- وهي في التجربة البشرية أسبق من التجربة الشعرية- فإن ما يسمى «المواهب» لا تظهر قبل الشعر.

المرحلة الأولى

ما وصلنا من شعر عن التجارب الشعرية في طفولة البشرية، لا يمثل الطفولة الشعرية بالمعنى الحقيقي، لأن هذا التراث قطع أشواطاً من التجارب والمعاناة. الطفولة الشعرية مرحلة عشوائية يمكن أن نسميها مرحلة «اللاوعي الجمالي» يتدرب فيها الشعراء، على نحو جماعي، على الموقف الشعري. وقد ظل ذلك يظهر حتى العصر الحديث في قرانا، ففي القرى النائية، تتحلق مجموعة من الرجال حول كومة من الذرة الصفراء، وبأيديهم مدقات طويلة الساق يضربون بها العرانيس، وهم ينشدون، فيبدأ أحدهم بما يسمى «الردة» أو «اللازمة» التي تتكرر بعد أن يسهم كل واحد منهم بقسط من الأبيات الشعرية القليلة. وإذا جاء دور أحدهم فإنه يعيد الردة إن لم يستطع الإسهام في الشعر، فإذا كان مقتدراً أنشد بيتين أو أكثر، ثم يقوم بتسليم الردة لـ «الجوقة» المحيطة بكومة الذرة الصفراء. وبعد إنجاز العمل تبقى في الذاكرة الأبيات الشعرية التي ارتقت إلى مستوى مقبول أو مبدع، وتهاوت مئات الأبيات الأخرى، وسارت «الأغنية» أو «الأنشودة» أو «القصيدة» من دون أن يرافقها اسم شاعرها، فهي موقف شعري جماعي.

بالطبع يختلف الموقف الشعري بحسب التجربة الجماعية، فلا يعقل أن ينشد البحارة في العاصفة الهوجاء قصيدة غزلية، ولا يمكن في قطاف الكروم أن ينشدوا شعراً على غرار شعر الزير سالم في الانتقام. ومن هنا شددت بعض النظريات الأدبية على دور العمل في تنويع التجربة الشعرية. ومن هذه التجارب الكثيرة جداً والمتنوعة جداً يتشكل ما يسمى التصوّر الشعري العام. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف