• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

ابتهال: الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

«وقفت أمام بابك»: انسجام الذات المؤمنة مع صاحبها الخاشع بين يدي خالقه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 07 يونيو 2016

محمد عبدالسميع (أبوظبي)

ها نحن مع ابتهالٍ جديد لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وفيه تنسجم الذات المؤمنة مع صاحبها الذي يقف وقفةً خاشعةً بين يدي خالقه، متدفقاً بكلّ إخلاصه وطمأنينته، وهي وقفةٌ تنساب لها موسيقى حزينة مواتية للظرف الذي تقال فيه عادةً مثل هذه القصائد التي نصطلح على تسميتها بالابتهالات. جاءت أبيات سموّه مرآةً صافيةً ومعبّرةً عن يقينه الواثق وإحساسه العالي بقرب خالقه منه ومن الناس وعطفه عليهم ورأفته بهم، وفي الحقيقة فإنّ هذا اليقين إنّما هو العتبة الأولى للنصّ الإيمانيّ، الذي لا تجد في ثناياه غير ضعف الإنسان أمام رحمة خالق هذا الإنسان.

وقد استطاع سموّه أن يجهر، وبكلّ اعتزازٍ يزيده إيماناً وتقوىً، بأنّه ضعيفٌ أمام ربّه وأنّه واقفٌ ببابه؛ ولذلك تناسلت الأبيات التسعة الباقية من البيت الأوّل أو مفتتح الابتهال، فاستمدّت حرارتها الإيمانيّة منه، وباتت صورةً عن إنسانٍ صادق يبثّ همّه وشكواه إلى الله.

في قراءة هذه الأبيات التي راعى فيها سموّه أن تكون سهلةً يسيرةً على قارئها، بل ومؤدّي ابتهالها أيضاً، نلمس مقدرته، وهو الشاعر الخبير بألوان الشعر وصورِهِ وانزياحاته، في أن يؤدي غرض القصيدة في أبيات ليست عسيرة الفهم أو معقّدة الصورة أو تتطلب قدحاً عالياً للذهن، فمثل هذه المواضيع إنّما هي تخاطب الناس، كلّ الناس، على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتباين أفهامهم للنصّ الأدبي؛ ولذلك نجد أنّ القارئ يتشرّب هذا الابتهال منذ بدايته حتى نهايته، خصوصاً إذا ما ترنّم به المؤدّون بألحان حزينة تناسب مثل هذه المواضيع.

وبالمناسبة، فإنّه وانطلاقاً من إيمان صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأنّه ما من واسطةٍ بين العبد وربّه، فإنّ مفردات القرب من الله يظهرها لنا نداء سموّه المتكرر لخالقه، بما في النداء من تحبب وقرب وانسجام هو الطريق الأكيد لصوفية خالصة تؤكّد قولنا إنّ الخلق عيال الله، وأنّه رؤوفٌ بهم، وأنّه عز وعلا وسعت رحمته كلّ شيء، بل وسبقت رحمته غضبه، وهو ما يرجو سموّه، تأكيده لنا في قوله: (يا قريب)، (يا نعم الحبيبُ)، و(يا مجيبُ)، و(يا نعم الحسيبُ).

يقرر لنا سموّه في البيت الأوّل حقيقةً مهمّةً لا مراء فيها أو جدال، وهي أنّ من يلجأ لباب الله لن يخيب أبداً، وتلك حقيقة مريحة تدفع القارئ أو مستمع الابتهال إلى الطمع برضوان الله ورحمته مهما بلغت ذنوبه، وأنّه أمام كريمٍ توّابٍ يتوب على عباده المخلصين. الوقوف بالباب في المدلول البلاغي هو قمّة العجز والتذلل والخشية والتماس العفو، ولا شكّ أن وقوف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بباب خالقه، ووقوفنا نحن أيضاً، باعتبار الشاعر لسان حال الناس ونبضهم الدائم، إنّما هو استهلالٌ طيّب وموفّق، ويفضي بنا إلى الرحمة، إذ الوقوف على الباب في عرفنا نحن بني البشر معناه أن فرجاً قريباً ينتظر هذا الذي لم يعد أمامه غير وقوفه بالباب، فكيف إذا كانت المسألة هذه المرّة تتعلّق برب البشر الذي يبسط يديه في الليل والنهار ليتوب على الناس؟!.. كما أنّ القصيدة البائيّة بما لحرف الباء المضموم من جرس موسيقي شديد الوقع والتأثير، إنّما يكثّف نفس الشاعر المتعبة أمام خالقها، النفس التي لا ترى الله بعيداً، بل هو أقرب إلى الناس من أنفسهم، وفي الكثير جداً من آياته سبحانه يظلّ يدعوهم إلى التوبة وألا يقنطوا من رحمة الله. إنّ بثّ سموّه الشكوى استلزم منه أن يعدد أوجه ضعفه وحاجته إلى عفو ربه، مثلما يعدد أيضاً ما يؤكّد لديه الثقة بخالقه، فيجعلها أسباباً موضوعيّةً لكي يطمئنّ، فيواصل حالة الرجاء والحب والإخلاص والصدق. كما إنّ الحالة الصوفيّة التي لدى سموّه في مجيئه ربه ووقوفه ببابه والهاً دنفاً مشوقاً، تعطينا جرعات حارة لمتصوّف متعبٍ يحبّ الله، لنتعرّف إلى هذا الصوفيّ المحب المستجير بربه، المعترف بأنّ أيّ شعرٍ يكتبه لا يطيب إن لم يُضمّن بذكر الله أو يؤشّر على هذه الصوفيّة التي نلمحها في قول سموّه (حبيبي أنت يا نعم الحبيبُ!). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتعرض ابنك للتنمر المدرسي؟ وهل أجاد الأخصائي الاجتماعي التصرف؟

نعم
لا
لم يتعرض