• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

«الإصابة الأخلاقية».. وآلام المحاربين العائدين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 09 مارس 2015

أثناء المهام الليلية القصيرة، كنا نتحدث في بعض الأحيان عن الأشياء التي لن نتخلص منها عند العودة إلى الوطن. وفي إحدى الليالي شديدة البرودة خلال شهر مارس عام 2010، تذكر زميلي «جيف» ذلك الفتى الذي أرداه قتيلاً قبل شهر مضى، عندما كانت المعركة من أجل السيطرة على مدينة «مارجا» الأفغانية محتدمة، وكان هناك عدد غير قليل من الصبية البالغين من العمر 15 عاماً يحملون بنادق الكلاشينكوف. وقتل «جيف» واحداً منهم بأربع طلقات من بندقية نصف آلية من العيار الثقيل. فذاك الفتى كان يحمل بندقية، وأدرك «جيف» أنه يمكنه قتل جنود البحرية الأميركية.

وبعد أربعة أسابيع أخرى، كنا في مهمة مراقبة على جانب الطريق، حيث دأب مقاتلو «طالبان» على زراعة المتفجرات في الأرض، وكان «جيف» يخبرني عن القصة. ووصف لي الطريقة التي سقط بها الصبي، وكيف أنه لم يكن متأكداً من أن ما فعله كان صواباً. وقد كان ذلك قبل خمسة أعوام، ولم يعد «جيف» يستحضر تلك القصة، لكني أعلم أنه يفكر فيها، لأنه قبل عامين وضع بندقيته في فمه، لكنه لم يضغط على الزناد. وبدلاً من أن تظل قصة الصبي الذي قتله «جيف» في حقول أفغانستان الموحلة، كبرت ونضجت مع «جيف»، إلى أن جلس يوماً على سريره واحتضن بندقيته، ممعناً التفكير في ذلك الجزء من حياته الذي لم يعد يستطيع فهمه.

وأخبرني جيف قائلاً: «أنا لست مجنوناً»، وأنا أعلم أنه لم يكن كذلك. وقبل عشرة أعوام كنا نصف هذه الحالة بأنها «اضطراب توتر ما بعد الصدمة»، وقبل ستين عاماً، كنا نشخصها بأنها «أرق الحرب». ولكن حالة الصبي الذي أرداه «جيف» قتيلاً لم تكن أيّاً من ذلك، وإنما كان حمله شيئاً آخر يمكن وصفه بـ «الإصابة الأخلاقية».

بيد أن «الإصابة الأخلاقية» مصطلح غير واضح لا يستخدمه سوى قليلين بشكل جاد لأن انعكاسه ليس جيداً على دعاوى المحاربين القدامى. وهو وإن كان مصطلحاً جديداً لكنه ليس مفهوماً جديداً. وعلى عكس «توتر ما بعد الصدمة»، الذي ينتج عن الاستجابة المصحوبة بالخوف، فإن «الإصابة الأخلاقية» إحساس بالارتباك الوجودي الذي يظهر كـ «شعور شديد بالذنب». وعرّف «ديفيد وود»، مراسل صحيفة «هافنجتون بوست» «الإصابة الأخلاقية» بأنها الألم الذي ينتج عن الضرر الذي يلحق بالأساس الأخلاقي للشخص. وفي كتابها المرتقب «ما بعد الحرب: علاج إصابات جنودنا الأخلاقية»، تعتقد «نانسي شيرمان» من جامعة «جورج تاون» أن الإصابات الأخلاقية «خطيئة مؤلمة» أو «تلاشي للإحساس بالخير والإنسانية». وترى أن الإصابات الأخلاقية لها علاقة بالإخفاق في محاسبة الذات أو الآخرين.

وعلى الرغم من أن الإصابة الأخلاقية تخضع للنقاش في البيئات الأكاديمية، إلا أنه نادراً ما يتم الحديث عنها، وفي كثير من الأحيان يُساء فهمها، بين هؤلاء الذين يعانون منها، كما أنها ليست جزءاً حقيقياً من «قاموس المحاربين القدامى العائدين»، وإنما يستخدمون «توتر ما بعد الصدمة» كمصطلح شامل. غير أن هناك خطراً في الخلط بينهما؛ ذلك أن التمييز بين الأمرين يمكن المحاربين العائدين من فهم ليس فقط الصدمة التي أصابتهم ولكن أيضاً الضرر الذي خلفته القرارات التي اتخذوها في الحرب. وكدولة، قضينا الـ 14 عاماً الماضية في حالة حرب. وعاد المقاتلون والمقاتلات. وبعضهم عاد منكسراً. فمهمة الدولة أن تتفهم معنى ذلك الانكسار. ومن أجل فهم «الإصابة الأخلاقية» ومعالجة آثارها، نحتاج إلى إدراك وجودها. وإذا لم نفعل، فإننا سنواصل تصنيف الإصابة الأخلاقية تحت نفس المظلة مثلما نفعل منذ قرون، وسيتعين على هؤلاء الذين يخوضون حروبنا تحمل المعاناة بمفردهم.

توماس جيبونز ـ نيف

* أستاذ في جامعة جورج تاون، وخدم في البحرية الأميركية في أفغانستان عامي 2008 و2010.

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا