• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

قراءة ثانية في «دمية النار» والجزائر التي أوقفها العسكر بعيدا

هل استعار بشير مفتي شيئا من «ذئب البوادي»؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 مارس 2012

جهاد هديب

منذ سطورها الأولى تحيل رواية “دمية النار”، للروائي الجزائري بشير مفتي الصادرة عن الدار العربية للعلوم (ناشرون) ومنشورات الاختلاف الجزائرية في بيروت والجزائر، إحدى الروايات الست المتنافسة على الجائزة العالمية للرواية العربية لدورتها الخامسة.. تحيل إلى إحدى روايات الألماني هيرمان هيسة التي تحمل العنوان: “ذئب البوادي”، بحسب الترجمة إلى العربية التي أنجزها التونسي النابغة الهاشمي وصدرت العام 1979 عن دار ابن رشد البيروتية آنذاك.

الإحالة هنا لا تذكّر بأجواء الغياب ولا بحضور راويين، الغائب من بينهما يمنح الحاضر أن يعيد تشكيل السرد الروائي لحياة شخصية مفترضة وغير متوقعة وكذلك التحكم بمصائر الشخصيات الأساسية ومآلاتها بل هو أيضا يرسم للقارئ بنية “درامية” للرواية غير متوقعة ومباغتة إلى حدّ أن أجواءها القريبة إلى أجواء الواقعية السحرية تبقى مع القارئ لتجعل من الرواية علامة فارقة في قراءاته الخاصة.

وهذا الأمر، أي الحضور المؤثر للغياب، هو الذي يشكل نوعا من السطوة من المؤلف على القارئ في “ذئب البوادي”، ما يجعل من “دمية النار” أقل حضورا وكذلك أقل تأثيرا في القارئ، لا لأنها تذكّر فحسب بالبنية الروائية ل”ذئب البراري” بل لأنها تبدو نسخة عنها مع الافتراق في التفاصيل الحكائية التي يخوض فيها بشير المفتي.

في العملين هناك شخصية أساسية تترك أثرا بالغا عند الراوي: هو مذكرات في “ذئب البوادي” يتركها ذئب البوادي ذاته الذي هو هاري هاللر ومخطوط لرواية في “دمية النار” يتركه رضا شاوش، وبينما لا يُقحم هيرمان هيسة نفسه في العمل الروائي بل يبقى متخفيا خلف الراوي الذي يعثر على المذكرات، نرى أن صاحب المخطوط هو الذي يقرر أن يترك للمؤلف بشير مفتي مخطوطه بوصفه الروائي بشير مفتي. وبدءا من هذه الفارق البسيط لا يؤسس بشير مفتي لافتراق أعمق بين صنيعه وصنيع هيرمان هيسة إنما كما لو أنه يبقى يدور في فلك الروائي الألماني.

يستهل هيرمان هيسة روايته منذ الفقرة الأولى بوصف الشخصية ووصف المذكرات في فقرتين ليبدأ الثالثة بـ: “قابلت ذئب البوادي مصادفة حينما زار بيتنا لأول مرة واستأجر غرفة عند عمتي”. بينما يفتتح بشير مفتي روايته في فقرتها الأولى كالتالي: “التقيت بطل هذه الرواية السيد رضا شاوش، وأنا في الرابعة والعشرين من عمري”.

عندما ظهرت “ذئب البوادي” كانت ذات رواية ذات نزعة تجريبية واضحة تقوم على أبعاد معرفية عميقة بالعصور الوسطى وما تلاها وشخصية هاري هاللر ليست شخصية مجردة بلا تاريخ بل هي مزيج من لعنة “فاوست” بحسب ما هو عليه في “فاوست” يوهان غوته من جهة ومصيره الذي يدركه سلفا من جهة أخرى، حيث يعايش القارئ فعلا تلك الأجواء الجحيمية إنما بمسحة حزن ربما تأتي من العمق المعرفي والوعي الشقي الملازم لهاري هاللر والروائي معا وبالتالي كل أجواء حكايتهما. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا