• الثلاثاء 27 محرم 1439هـ - 17 أكتوبر 2017م

محمد بنيس يتذكر أصدقاءه الحاضرين والراحلين

نصوص الصدق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 مارس 2012

محمد نجيم

صدر مؤخرا عن دار توبقال في المغرب، أحدث كتاب للشاعر والأديب المغربي محمد بنيس تحت عنوان: “مع أصدقاء”، وذلك ضمن سلسلة “ذاكرة الحاضر”.

في هذا الكتاب، يستعيد محمد بنيس أيامه ولحظات اقتسمها مع عدد كبير من الكتاب والشعراء من مختلف بقاع العالم أَثْروا وأثَّروا في حياته الشعرية منهم: أدونيس، محمود درويش، سهيل إدريس، جاك ديريدا، الخطيبي، زفزاف، محمد شكري، جمال الدين بن الشيخ، أحمد المَجَّاطي، هنري ميشونيك، محمد الخمّار الكنوني، حسين مروة، إدوارد سعيد، إميل حبيبي، وغير هؤلاء.

نصوص الكتاب، هي نصوصٌ لأجل أصدقاء. كلماتٌ عنهم ونداءٌ مفتوح عليهم، منَ العزلة والصمت. يحملُ كل نص (أو أكثر) منها اسماً شخصياً. فالصديق كما يقول بنيس “مقترنٌ باسمه وتفردٌ بحياته. لا شبه بين صديق وصديق، ولا شبه بين صديق وبيني. فبقدر ما أقترب من صديق بقدر ما أراعي المسافة الفاصلة بينه وبيني، هي معنى السرّ الخاصّ، وهي الحرية في الرأي والتعبير والموقف، أو هي الحق في الهامش. فالاقترابُ من صديق يعني الإِنصات، بما يتطلّبه من مجاهدة وتسامح، أي البقاءَ على أهبة حوار لا ينقطع. وإذا كنتُ لا أعرف بدقة كيف أصبح أشخاص أصدقائي، فإن هناك من رافقتُه وجرّبتُهُ لمدة، قبل الوصول إلى لحمة الثقة. فالصديق لا نجده بانتظارنا في باب عمارة أو محطة قطار. نحن نحتاج إلى وقت نتمرَّن فيه ونختبر، حتى تنشأ علاقة حقيقية وتنمو مع شخص مختلف عنا، ستصبح له ذات يوم صفة صديق”.

ويقول بنيس: “أغلب هذه النصوص، التي أجمعها اليوم، جاءت على أثر الموت، بما يفجره من صدمة الفقدان. والباقي كان استجابة لنداء الصداقة، وقد قدمت لي لحظة الموت من فقدتهم، من بين الأصدقاء، في صورة المرآة. على قبر كل واحد منهم وضعت شاهدة. هي شهادة وشهود. وهي، في آن، أثر اعتراف بما كان بيننا. هادئة كنت أرى يدي تتقدم وتكتب. لا تلائمني الكلمات الجنائزية، لا المراثي. وها صديق في مكان آخر. لا يرحل. فقط يغير المكان الذي تعودنا على اللقاء فيه لتبني ذكرياته وأعماله مكانا يصبح له، هو دون سواه، بين أقرباء عاشوا عبر أزمنة من تاريخ البشرية. وهو معهم، في المكان الذي أحافظ فيه على اللقاء. قبرٌ لكل واحد منهم. وأنا، على حافة القبر، أنظرُ إلى جثتي القادمة.

لذلك فإن الأصدقاء كوكبة منتقاة، محدودة العدد. بيننا وبينها الوفاء، لأنه أسمى مظاهر الصداقة. لابد من الوفاء. فهو وحده الذي يسمح لعلاقتنا بالصديق أن يصبح لها معنى، ومعنى العلاقة هو أن تستمر، وتبقى في حالة الصّحْو، التي تنقل المصاحبة إلى أوصاف استثنائية، حيث يصبح بالإمكان أن تؤدي إلى أفعال مبدعة، يحضر فيها ما لا نتوقعه، أو يتحقق ما كنا نعتقد أن لا سبيل إليه.

ولأن كل صديق عالم مستقل بذاته، فإن الوفاء هو أن نصدق في رؤيتنا له وتعاملنا معه، حسب فرديته وتفرده، دون اشتراط تعامل بالمثل، بل دون الحصول على أي شيء منه، كيفما كان، حتى نحافظ على استمرار العلاقة معه. لا إرغام ولا إخضاع. فالطريق التي أسلكها في الحياة هي طريقي أنا، واللقاء بالأصدقاء يحدث في المكان الذي يمكن أن نتقاطع فيه، أي أن من حقنا أن نفترق عن بعضنا لحين. وحرية الافتراق تضمن لنا بدورها أن نعود لنلتقي من جديد. إنها حدود الممكن وغير الممكن في الصداقة والحياة. والصدق هو ما يرسخ الصحو في مراقبة الحدود. إن كلمة “الصديق” مشتقة من فعل “صَدَق”، الذي هو نفسه أصل اشتقاق كلمة الصدْق. ويكون الصدق أصْفى مَنْ نحبُّ، في السرّ والعلَن، أن نتقاسم معه بصدق جزءا من حياتنا، بدون أن ننافق أو نداهن. من هنا نوسع أيضا معنى الصديق بالانفتاح في عربيتنا على اللغات اللاتينية التي تؤلف بين الصداقة والحب، بل نوسّع المعنى، أبعد من ذلك، باستحضار كلمة المحبَّة، ذات نفحة الإبداع العربي. بمعنى أن وفاءنا في الصدق مع الصديق تعبيرٌ عن حبّنا له وميْلنا الدائم إليْه، بصفته جامعا لأوصاف عليا تتفرق في أشخاص كان لنا حظ ان نعيش معهم أو نتعرف عليهم، ويجسد المثال الأبعد لما نريد أن نكون عليه أو لمن نريد أن نتكامل معه. ففي الوفاء فقط، في استمرار العلاقة مع الصديق والبقاء معه في صحو، ونحن نراقب حدود الممكن وغير الممكن، تطأ أقدامنا عتبة المستحيل. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا