• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

كامو في ثلاثية حياته

نجمة تتبعها الروح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 يونيو 2016

صالحة عبيد

تدخل المجلد الأول من يوميات الفرنسي ألبير كامو بشيء من الحذر، فهذه الملاحظات والأفكار التي بدأها كامو في سن مبكرة حتى وفاته في ستينيات القرن المنصرم.. لتكون بالأصل سبعة دفاتر قلصت في ترجمتها العربية إلى ثلاثة هي «لعبة الأوراق والنور».. «ذهب أزرق» و«عشب الأيام»، هي شيء أشبه بمثابة الدخول مجرداً، إلا من أفكارك المسبقة بشأن ألبير.. التي كونتها عن مجموع إبداعه وهي في جلها تشكل واجهة لوجه كامو.. لكن في اختيارك لهذه الدفاتر فإنك تدرك أنك ستكون في لحظة اللقاء الدقيقة والصارمة مع كامو الإنسان.. وهي مجابهة إنسانية جديرة بالمغامرة.. أن تتخلى عن حذرك في مواجهة عقل كامو.. في حدته التي يعبر بها عن فكرة العبث اللامتناهي.. لتدخل متمسكاً بفضول المعرفة إلى آخره.. إلى الحد الفاصل بين الضفة والغرق.. لتطفو هناك في غابة عالمه المتشابك والممتلئ بالتفاصيل.

لعبة الأوراق والنور

«دوار أن نتوه وننكر كل شيء، ألا نتشبه بشيء، أن نحطم إلى الأبد ما يحددنا، أن نهدي الحاضر الوحدة والعدم، وأن نعثر على المكان الوحيد حيث يمكن للأقدار أن تبدأ دوماً من جديد. الغواية متواصلة. هل ينبغي الانصياع لها أو رفضها؟ هل يمكن أن نحمل هاجس عمل فني في جوف حياة وثيرة، أم يجب على العكس مساواته بالحياة وإطاعة البرق؟ الجمال أسوأ همومي، هو والحرية» (ص 246 ).

في حين أن عنوان الدفتر الأول جاء ليحمل لعبة الأوراق والنور رأيته أنا في معظم ما دونه كامو «لعبة الأنا والآخر»، حيث هذا التطواف الذي تناول فيه كامو أولاً علاقته بنفسه في ملاحظات خاطفة حول بعض الأحداث وما يتضمنها من ردود فعل خاصة وشخوص وصفها بمهارة تتنافى مع فكرة العبور اليومي الخاطف، فعلى الرغم من أنه هنا كان واعياً إلى كونه يدون يومياته بما تتضمنه من شكل إنساني صريح يحتمل الضعف.. الغرابة.. القسوة.. الحيرة.. وغيرها من تناقضات فإنه كان يبدو كمن يختار بدقة ما يدونه لكأنه يهندس عملاً ما في قطع فسيفساء صغيرة، ستكتمل أخيراً لتشكل جزءاً مهماً من عمله الوجودي الممتد.. أما في ما يتعلق بالآخر في تلك اللعبة التدوينية فإن كامو قد قسمها إلى شقين.. الشق الأول هو ذلك الرسم التجريدي الخاص بالشخوص التي سيضمنها كامو في رواياته.. لقد رأينا نحن كمتلقين كيف بدأ برسم ملامح شخصيات محورية في الغريب والطاعون والموت السعيد، مستلهماً ذلك من تفاعله مع الآخر في المحيط والأحداث العامة.. مذيباً كل ذلك في قالب متفرد، هو قاعدته الفلسفية الخاصة التي تستند إليها نظرته للأمور، ومحاولة منحها في داخله شكله المتوازن.. أما الجزء الثاني من العلاقة مع الآخر فهي في محاولة نحت شخصه الخاص، عن طريق التجربة الحارة المتماسة بالآخر، وما يستلزمه ذلك من خيارات قد تبدو غير مفهومة للمقيمين بعيداً عن عالم كامو.. مثل اختياره الانضمام للحزب الشيوعي في الثلاثينيات من القرن العشرين، ومثل تأملاته المرتبطة بالحرب بعد اختياره ومحاولاته الحثيثة أن يشارك فيها كمجند رغم إيمانه بعبثية لعبة السيطرة البشرية.. لقد أراد رؤية شكل آخر للإنسان عن قرب، ومعايشة خوف أسئلته في بؤرة المحك العظيم.. والتلظي القائم.. بؤرة الحرب.. هذا عدا عن تفصيله لمجموعة من المصادر التي كان يمر بها في بحثه المستمر لإيجاد صوت واضح لكل ما ينتجه من أجناس أدبية وفكرية.

«ذهب أزرق» و«عشب الأيام» ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف