• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

اليمين المتطرف.. الظاهرة الجبهوية في فرنسا نموذجاً

أوروبا.. عودة الفاشيّات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 يونيو 2016

د. عز الدين عناية

شهدت أوروبا إبان العقدين الأخيرين تحولات عميقة في تشكيلاتها الحزبية الناشطة، لا سيما في مكوّنها اليميني المتطرّف. فقد باتت الأحزاب اليمينية ذات التوجهات المغالية حاضرة بقوّة في جلّ بلدان غرب أوروبا، نذكر على سبيل المثال «الحزب الشعبي الدنماركي» و«عصبة الشمال» في إيطاليا، و«حزب الحريات» في هولاندا. وهو ما يشي بتحوّلات سياسية خطيرة على مستوى القارة في قادم السنوات. «الجبهة الوطنية الفرنسية» هي إحدى هذه التشكيلات السياسية الناشطة ضمن هذا التحوّل العام. فقد مرّت تقريباً ثلاثة عقود على طفوها على الساحة الفرنسية، وإنْ كانت في الواقع قد تأسّست قبل ذلك في أكتوبر من العام 1972. وما إنْ أُعلنت نتائج الانتخابات المحلية خلال الفترة (1982-1983)، وما تلاها من نتائج الانتخابات الأوروبية، حتى تسلّطت الأضواء على الجبهة في الداخل والخارج، وباتت محلّ متابعة من عديد الأطراف.

تناولت سيرة الزعيم المؤسس للجبهة جون ماري لوبان العديد من الأقلام. فالرجل محارب سابقٌ في حرب الهند الصينية، وضابط في جيش الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لا يزال محلّ متابعة جراء ما اقترفه من جرائم تعذيب. حقّق حزبه نقلة نوعية مع ثمانينيات القرن الماضي بدخول خمسة وثلاثين نائباً جبهوياً تحت قبة البرلمان الفرنسي. وخلال التسعينيات، تصدّرت الجبهة الأحزاب العمّالية في فرنسا، مع سيطرة مهمّة على مجالس بعض البلديات. ومع تقدّم السنوات، وتحديداً في الحادي والعشرين من أبريل من عام 2002، حصدت 4,800,000 صوت في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، مكّنتها من إزاحة المرشّح الاشتراكي ليونيل جوسبان. وكان وصول اليمين المتطرف إلى الدورة الثانية في الانتخابات حدثاً بارزاً، عبّرت عنه صحيفة «لوموند» الفرنسية «بحصول 11 سبتمبر سياسي»، ومنذ ذلك العهد طفت الجبهة على ساحة الأحداث.

كاريزما مصطنعة

كتاب الباحث السياسي الإيطالي نيكولا جينغا «الجبهة الوطنية من جون ماري إلى مارين لوبان» هو أحد المؤلّفات القيّمة التي تناولت هذا التشكيل السياسي اليميني بالدراسة والتحليل. وهو نتاج متابعة متواصلة غطّت عشر سنوات، هدفت لتحليل ظاهرة الشعبوية الحزبية في أوروبا. حيث يعدّ جينغا من أبرز الباحثين الإيطاليين المهتمين بتنوعات الخطابات السياسية، وقد صدرت له في الشأن جملة من الأعمال منها: «خطابات الرؤساء الفرنسيين» (2012) و«الأساطير والواقع في الجمهورية الثانية» (2013). حيث يصنّف الجبهة الوطنية ضمن اليمين المتطرّف، وذلك من خلال تتبّع الأرضية التاريخية-الإيديولوجية، والسياق التأسيسي، والبنية التنظيمية للحركة، فضلاً عن البرنامج السياسي، والديناميكية الانتخابية التي صعّدتها إلى المسرح السياسي.

في تناوله لشخصية جون ماري لوبان، يعيد جينغا النظر في خاصيات الصلابة التنظيمية للحزب، من خلال تفحّص مفهوم الكاريزما المضفى على الزعيم المؤسس للجبهة. ومن المعروف أن مفهوم الكاريزما، أو المهابة، يعود استخدامه في الأدبيات السوسيولوجية إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر. فالشخصية الكاريزمية كما يحدّد معالمها، هي تلك الشخصية التي تملك بحوزتها مشروعاً انقلابياً ونسقاً خلقياً، وتبشّر بخلاص الأتباع المتأسّس على النقد الضمني للأعراف الشائعة والأوضاع السائدة. ولكن الشخصية الكاريزمية في الجانب السياسي هي شخصية قيادية تبشّر بوعود، وتدفع نحوها الناس. وبالتالي تتضافر في الحالة الكاريزمية فرادة القيادة، ذات القدرات الخارقة، ومجموع الأتباع الذين تهفو أرواحهم إلى بعث اجتماعي مرتقَب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا