• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

يسير عكس التيار ويتحدّى بآرائه الجميع

ميشيل أونفري.. الفيلسوف المشاغب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 يونيو 2016

هاشم صالح

إذا كان هناك من فيلسوف مشاغب في فرنسا فهو ميشيل أونفري. وعلى الرغم من أنه من مواليد 1958 فقط، أي صغير السن قياساً إلى عمر الفلاسفة الآخرين، إلا أنه يحتل مكانة ضخمة في بلاد موليير وفولتير، ويحظى بشهرة واسعة جداً منذ عشر سنوات على الأقل. وربما كان السبب يعود إلى أنه يمشي عكس التيار، ويلفت إليه الأنظار بوساطة الاستفزازات ورغبته في تطبيق مقولة: خالف تعرف. إنه يجد سعادة بالغة في تحدي الجميع تقريباً. ولكن هذا لا يكفي لترسيخ شهرة المثقف. فالرجل يتمتع بمواهب لا تنكر وبطاقة فلسفية حقيقية. يضاف إلى ذلك أنه كاتب من الطراز الرفيع وذو أسلوب مشوق على عكس بعض الفلاسفة الآخرين ذوي الأسلوب الجاف الرديء.

اشتهر أونفري بسلسلة طويلة عريضة بعنوان: قصة مضادة لتاريخ الفلسفة. وفيها ركز على الفلاسفة الهامشيين المهملين عموماً من قبل التعليم الجامعي الرسمي الذي لا يركز إلا على المكرسين من أمثال ديكارت وكانط وهيغل إلخ. ولكنه ارتكب سقطة مريعة بعد تفجيرات باريس الكبرى بتاريخ 13 نوفمبر عندما صرح بأن على فرنسا أن تكف عن قصف المسلمين لكي تتوقف «داعش» عن ارتكاب التفجيرات في قلب باريس. هذا التصريح الذي التقطته «داعش» واستشهدت به كبرهان على صواب موقفها، وضعه في حرج شديد أمام الرأي العام الفرنسي. وانتهز أعداؤه، وفي طليعتهم برنار هنري ليفي، الفرصة لتسديد الضربة القاضية له. وهاجت عليه الهوائج. وانهالت عليه عاصفة من الانتقادات القاسية. فقرر الانسحاب من الساحة العامة وإغلاق حسابه على «تويتر» بعد أن شعر بأنه تجاوز الخطوط الحمر والصفر وارتكب غلطة حقيقية. ولكل جواد كبوة كما يقول المثل العربي. إنها غلطة الشاطر. ولكنه لم يتراجع عن موقفه ولم يعتذر. فقط قال بأنه منذ الآن فصاعداً سينسحب من الساحة الثقافية الباريسية ويلتزم الصمت معتكفاً بين جدران مكتبه، ورافضاً لأي مقابلة تلفزيونية أو أي تدخل إعلامي كائناً ما كان. وصدقناه واعتقدنا لفترة من الزمن أنه مات! أو أصبح طي النسيان. ولكنه سرعان ما عاد إلى الساحة مجدداً، ولم يستطع الغياب عن الأضواء أكثر من أسبوعين أو ثلاثة. وعلى الرغم من تصريحه بأنه لا يمكن إقامة أي مناقشة جادة في فرنسا حول هذا الموضوع الحساس، إلا أنه قال بأنه لن ينسحب من الحياة العامة، ولن يترك الساحة لأعدائه لكي يصولوا فيها ويجولوا كما يشاؤون ويشتهون على أنقاضه.

أونفري بين ليفي ورمضان

أثناء انسحاب أونفري النسبي، راح منافسه اللدود برنار هنري ليفي يحتل الساحة الإعلامية بكتابه الجديد عن «روح اليهودية» أو عبقرية اليهودية. كل الجرائد والمجلات الباريسية راحت تنشغل به عن بكرة أبيها. هذا ناهيك عن الإذاعات والفضائيات التلفزيونية. إنه يستطيع أن يجيش فرنسا المثقفة بأسرها في لمح البصر. إنه يمتلك أقوى شبكة علاقات عامة في تاريخ فرنسا. ولكن تطرفه في التعصب الأعمى لطائفته وجماعته يرتد وبالاً عليه. على الرغم من أن الكتاب ليس غبياً على الإطلاق، بل ويحتوي على صفحات لامعة لا تنكر وتستحق القراءة والاهتمام، إلا أن وجهة النظر المتحيزة تضر بموضوعيته. وقد وصل الأمر بطارق رمضان إلى حد اتهامه بأنه العميل الثقافي الأكبر للموساد في فرنسا وكل أنحاء العالم. ومعلوم أن المفكر الإسلامي الشهير هو الآخر عدو لدود لبرنار هنري ليفي. وقد كان ذكياً في تفكيك كتاب هذا الأخير عندما لخصه بعبارة واحدة: روح الصهيونية تقضي على روح اليهودية! بمعنى: أن اليهودية كدين كبير تستحق كل إعجاب واحترام، ولكن الصهيونية كمشروع لاحتلال أراضي الغير بالقوة شوهت صورة اليهودية وأساءت إليها بما لا يقاس. لا يعني ذلك أن طارق رمضان يدعو إلى تدمير دولة إسرائيل، فهو يقر صراحة وعلى شاشات التلفزيون بمشروعية وجودها في المنطقة. ولكنه يرفض استمرار سياسة التوسع والاستيطان السرطاني على حساب الشعب الأصلي للبلاد. فهل هذا كثير يا ترى؟ هل ينبغي أن يطمس الحقيقة كلياً لكي يرضوا عليه؟ لا أعرف كيف سيرد عليه برنار هنري ليفي بعد هذه الضربة الموجعة ولا أقول القاضية. لقد عرف كيف يمسكه تماماً. ومعلوم أنه في المصارعة الحرة، فإن أفضل شيء هو أن تتمكن من الإمساك بالخصم في نقطة الضعف التي يعاني منها. والمصارعات الفكرية لا تقل ضراوة عن المصارعات الجسدية على طريقة محمد علي كلاي وسواه. لا أحد يرحم أحداً. هذا لا يعني أني متفق مع طارق رمضان على كل شيء. ولكن ينبغي الاعتراف بأنه حقق انفتاحاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة على الفكر الفلسفي، وخرج إلى حد لا بأس به من عقلية الإخوان المسلمين المتحجرة.. قد لا يكون هذا الانفتاح كافياً بالنسبة لنا نحن الحداثيين الذين خرجوا كلياً من تلك العقلية القروسطية المضادة لحركة التاريخ ولتطور المجتمعات العربية. ولكنه تطور إيجابي جداً، إذ يصدر عن حفيد حسن البنا بالذات. وبالتالي فلنعط لكل ذي حق حقه. أعتقد أنه أصبح أقرب إلى جده الآخر جمال البنا المجدد والمصلح الكبير. وهذا شيء يبشر بالخير. أنظروا كتابه الأخير: عبقرية الإسلام.

على أي حال لنعد إلى ميشيل أونفري. أنا شخصياً سعدت بعودته إلى الساحة على الرغم من أني لا أشاركه إطلاقاً توجهه المادي الإلحادي الصرف. وهو توجه يعلنه على رؤوس الأشهاد ويفتخر به على مدار الساعة. ولا أعرف لماذا؟ ما هو هذا الكشف العظيم الذي اكتشفه بأنه لا يوجد أي شيء خارج العالم الطبيعي الذي نراه ونحس به ونلمسه بأيدينا. هذا حقك أن تتخذ هذا الموقف يا سيد أونفري ولكن ليس من حقك أن تفرضه على الناس بالقوة وكأنه حقيقة مطلقة. فهناك مفكرون عديدون مثلك وأهم منك يقولون بأن هناك شيئاً ما وراء هذا العالم، شيئاً يتجاوز الماديات.. ينبغي العلم بأن الإنسان بحاجة إلى منظور شاقولي عمودي، أو تعال سماوي، لكي يستطيع أن يعيش ويخلع المعنى على وجوده بصفته كائناً فانياً لا محالة. لماذا نحرمه من هذا التعالي الذي يطمئنه نفسياً لحظة الفراق عن هذا العالم؟ لماذا نبتر التعالي السماوي بتراً وندمر كل إمكانية للعزاء بعد الموت؟ من بين هؤلاء المؤمنين بالتعالي نجد حتى مفكراً حداثياً ماركسياً سابقاً أبعد ما يكون عن الدين والتدين مثل ريجيس دوبريه. من يصدق ذلك؟ بمعنى آخر لا تكفينا الماديات وحياة اللذة والمتعة والشهوة والإباحية المطلقة المجسدة لفلسفة أونفري وإنما تلزمنا المثاليات أيضاً. والتدين بهذا المعنى الروحاني الميتافيزيقي غير المسيس لا غبار عليه. ومن المتدينين على هذا النحو نذكر فولتير وكانط وروسو في الماضي، وفي عصرنا الحالي بول ريكور الذي كان أكثر تبحراً في العلم من ميشيل أونفري. لقد بالغ الغرب في هذا الخط الشهواني الإباحي الشذوذي مؤخراً إلى درجة مخيفة تجبرنا على أن نطرح أسئلة عدة على هذا المرض الذي أصاب الحضارة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا