• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

الأزمات مصلحة إيرانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 01 يونيو 2016

يبدو أنّ إيران لا تستطيع متابعة سياستها ومصالحها الخارجية إلا في مناخ الأزمات، ويبدو أنّها أدمنت هذا النهج منذ ثورتها في عام 1979 التي أتت بنظام حكم متناقض بصفة أساسية مع نفسه، وإنْ كان يهيمن عليه رجال الدين أو الملالي، ومعاند للتوقعات المتزايدة لشعبه، ومخاصم ومتصارع مع بيئته الإقليمية والدولية. فما أنْ بدأت إرهاصات الانفراج لأزمتها الدولية، بسبب ملفها النووي ودعمها للإرهاب، حتى اختلقت أزمة أخرى على مستوى الإقليم.

ولا تتعلق الأزمة الحالية بقيام عدد من الدول الإقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران وحسب، وإنما هي أكبر من ذلك مدى وأعمق أغواراً، وتتعلق بالتدخل الإيراني المباشر وغير المباشر في معظم دول المنطقة، ومحاولة فرض طموحاتها القومية «الفارسية»، بصرف النظر عن الغلاف الذي تضعه عليها، وتزعمها، فكرة «الفوضى الخلاّقة»، وغيرها من وسائل «حروب» لتحقيق ذلك.

والحقيقة أنّ السلوك الإيراني في إدارة الأزمة الحالية برهن على أنّه يصدر من نظام حكم متناقض تناقضاً جوهرياً، وأنّه يستند إلى دلائل مفارِقة للواقع، والمنطق أحياناً. فمنذ تفجر الأزمة بالتدخل الإيراني في شأن داخلي سعودي، يتعلق بإعدام رجل الدين الشيعي، نمر النمر، لضلوعه في أعمالٍ إرهابية بالمملكة، وما تبعه من استمرار «المروق» باقتحام السفارة والقنصلية السعودية، ثم رد الرياض بقطع العلاقات، تصدر عن أركان النظام الإيراني مواقف يُناقض بعضها بعضاً، بين التصعيد والتهدئة. وتزعم اتجاه التصعيد تيار المتشددين «جبهة المرشد الأعلى وحرسه الثوري».

فالمرشد الذي تقمص شخصية «جون فوستر دالاس»، توعد السعوديين بالانتقام الشديد بعد إعدام النمر، وأوحى لقواته المسلحة بالكشف عن ترسانتها الضخمة من الصواريخ الباليستية التي تنشر مظلتها التهديدية على دول الشرق الأوسط كله، ثم جاء دور الجنرال «جعفري» في التصعيد والتهديد، وليبرهن على انخراط بلاده في «حروب الجيل الخامس» ضد دول المنطقة، حيث كرّر تصريحاته بأنّ «حرسه الثوري» قام بتدريب نحو مئتي ألف مقاتل من أبناء الإقليم وباكستان وأفغانستان، تُضاف إلى شبكة التحالفات التي ترعاها بلاده في المنطقة، وتتكون من ميليشيات و«جيوش» محلية وحركات إرهابية وخلايا نائمة وجواسيس وذئاب منفردة، وكان شر البلية الذي يُضحك هو اتهام المخابرات السعودية والإسرائيلية بإحراق السفارة!

أما اتجاه التهدئة، فقد قاده ما يُعرف بـ «المعتدلين» «ممثلين في رئيس الجمهورية ووزير خارجيته الاسكندنافي»، فقد دانت إدارة الرئيس «حسن روحاني» الاعتداء على السفارة السعودية، وأقالت مسؤولين كبيرين حملتهما مسؤولية ما حدث، واعتقلت بعض المتورطين في الاعتداء، مع التوصية بسرعة محاكمتهم «من أجل وضع نهاية حاسمة لكل الإساءات والأضرار التي لحقت بكرامة إيران وبالأمن الوطني».

والأهم من ذلك، أنّ مواقف كلا الطرفين تستند إلى دلائل مفارقة للواقع، فتيار التصعيد يزعم أنّ بلاده لديها من المقدرات ما يمكنها من تحقيق أهداف سياستها «العدوانية التوسعية» في موقف الصراع الحالي، فضلاً عن أنها تطمئنها على سلامة الاستمرار فيها. فالواقع، ووفقاً للتقارير الدولية ذات الصدقية العالية، لا تستند إيران إلى مقدرات اقتصادية أو عسكرية حقيقية، تعينها على مواصلة التدخل والتغلغل في الدول العربية، فضلاً عن الفوز في الأزمة الراهنة.

وأخيراً، فإنّ عالم الوقائع يثبت مدى تفاهة تصريحات تيار التهدئة، فمن يصدق أنّ إيران التي تحارب في أربع دول عربية على الأقل «لبنان وسوريا والعراق واليمن»، فضلاً عن تدخلها باستخدام المباشر وغير المباشر في دول أخرى، ترغب في تهدئة التوتر في المنطقة!

خالد ناصر البلوشي - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا