• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

يمثل التغاضي الأميركي عن الدور الإيراني في العراق وسوريا خطأ استراتيجياً قاتلًا لا يسهم سوى في مفاقمة الأزمة

الدور الإيراني .. كم تخطئ أميركا !

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 يناير 2015

حتى ونحن في مطلع السنة الجديدة ما زالت أميركا لم تبلور بعد استراتيجية شاملة في سياستها الخارجية لمواجهة تفاقم خطر تنظيم «داعش» خلال الأشهر الماضية، علماً بأنه ما زال يهدد استقرار منطقة الشرق الأوسط ويضرب المصالح الأميركية، بل إن «البنتاجون» اعترف بنفسه أنه لا يفهم الأيديولوجية التي تتحكم في توجهات التنظيم الإرهابي، ولا يستوعب أيضاً اللاعبين الإقليميين الذين كان لهم دور في تأجيج الأزمة وتفاقمها. وفي هذا السياق يبدو أن غبار المعارك الجارية قد حجب الدور الذي تضطلع به إيران في هذا الفصل القاتم من تاريخ المنطقة ليبرز السؤال الأساسي عما إذا كانت طهران حليفاً، أم عدواً في الحرب على «داعش»؟ فقد اعتقدت الولايات المتحدة في البداية على الأقل أنه يمكن لإيران المساهمة بدور فعال في مواجهة العدو المشترك، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية جون كيري، الذي أعاد تكرار مقولة «عدو عدوي صديقي»، مشيراً إلى أن إيران قد تكون جزءاً من الحل، والحقيقة أنها جزء أساسي من التحديات المحدقة بأميركا في الشرق الأوسط.

ولا ننسى أن جماعات العنف إنما تفاقم خطرها بسبب الصراع الطائفي الذي تفجر في العراق خلال عام 2004 بعيد الغزو الأميركي، وحينها سارعت إيران إلى دعم الميلشيات الشيعية بالتدريب والمال والأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، ما أدى إلى رد فعل سُني تطور إلى أن وصل إلى ظهور «القاعدة» في العراق، ولاحقاً «داعش»، وكان لوصول نوري المالكي وترؤسه لحكومة طائفية وفاسدة، وبعلاقاته المعروفة مع إيران، دور في تحويل العراق إلى مرتع خصب ليس فقط للتطرف السني، بل أيضاً للتدخل الإيراني. واليوم تملك إيران ما لا يقل عن سبعة آلاف من عناصر الحرس الثوري وقوات النخبة ضمن «فيلق القدس»، كما أن الأخبار الأخيرة عن مقتل المستشار العسكري الإيراني حميد تقوي، الذي يحمل رتبة جنرال، يثير العديد من التساؤلات حول مدى تغلغل النفوذ الإيراني وحجمه في العراق، حيث لعب الجنرال تقوي، الذي يعتبر أكبر مسؤول عسكري إيراني يقتل خارج البلاد منذ الحرب العراقية الإيرانية، دوراً حيوياً في تدريب المليشيات الشيعية العراقية.

وفي تقرير صادر خلال شهر أكتوبر الماضي أشارت «منظمة العفو الدولية» إلى أن الميلشيات العراقية التي تخوض حرباً بالوكالة لمصلحة إيران كانت مصدراً أساسياً لعدم الاستقرار في العراق، فقد كشفت المنظمة في تقريرها المعنون «الإفلات التام من العقاب: حكم المليشيات في العراق» أن الدور المتنامي للمليشيات الشيعية أدى إلى «تدهور الأمن وسيادة جو من انعدام القانون» مضيفة أنها «تستهدف المدنيين السنة بلا هوادة... تحت مبرر محاربة الإرهاب في محاولة مكشوفة لمعاقبة السُّنة وتحميلهم وزر أعمال تنظيم داعش وجرائمه البشعة». ويبدو أن الهاجس الإيراني من تنامي مشاعر الاستياء الداخلية دفع النظام إلى التدخل في الشؤون الإقليمية، وبالأخص العراق الذي يعتبر حجر الأساس في السياسة الخارجية الإيرانية وجزءاً من استراتيجية مد النفوذ في المنطقة. ولعل مما يدل على ذلك تصريحات علي شمخاني، المسؤول الأمني الأبرز في طهران، خلال حفل تأبين الجنرال تقوي، حيث قال: «كان علي تقوي وأشخاص مثله أن يضحوا بأنفسهم في سامراء حتى لا نضطر لفعل ذلك في طهران».

وأكثر من ذلك أن أهداف إيران من محاربة «داعش» تختلف جذرياً عن الأهداف الأميركية، ففيما تسعى الولايات المتحدة لقيام حكومة مستقرة وغير طائفية في بغداد، ترتكز مصالح النظام الإيراني على صعود قيادة شيعية قوية، ما يسمح لإيران بتوظيف جارها الغربي كمنصة لتثبيت هيمنها الإقليمية، والمضي قدماً في خططها المناوئة للغرب. وهكذا تنظر إيران إلى الاضطرابات الجارية في العراق كفرصة لإحكام قبضتها على البلاد. هذا ولا يختلف كثيراً الدور الإيراني في سوريا عنه في العراق، فمن خلال حربها بالوكالة التي يقودها «حزب الله» استطاعت إيران دعم نظام الأسد وحملته العسكرية الغاشمة ضد شعبه، الأمر الذي يصب مباشرة في مصلحة قوى التطرف المقابلة التي تستفيد منها «داعش»، ولذا يمثل التغاضي الأميركي عن الدور الإيراني في العراق وسوريا خطأ استراتيجياً قاتلًا لا يسهم سوى في مفاقمة الأزمة وتعميقها، ولعل من المفارقات الكبرى أن يتم التفكير في التحالف مع إيران لمحاربة الإرهاب و«داعش» في حين أنها هي ما زالت مدرجة على قائمة وزارة الخارجية الأميركية كإحدى الدول العالمية الراعية للإرهاب.

هيو شيلتون *

* جنرال ورئيس سابق لهيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي إنترناشيونال»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا