• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  01:30    التلفزيون المصري: 20 قتيلا و35 مصابا في انفجار كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة        01:57    وزير الدفاع البريطاني: السعودية لها الحق في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات    

«ما بعد الظلام» للياباني هاروكي موراكامي

الأسرار تغرّد بصوت خافت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 يناير 2014

عائشة الكعبي

اشتهر الروائي الياباني هاروكي موراكامي، بقدرته غير المألوفة على الوصف الدقيق لشخصيات رواياته وعزلها بعيداً عن صخب الحياة وضوضائها، بحيث يصبح هو والقارئ في دائرة الرواية فقط، وربما استطاع في كثير من الأحيان أن يعزل القارئ أيضاً عن كل ما يحيط به، مدخلاً إياه في طقس الرواية ومناخها، وحيوات شخصياتها وتفاصيلها. وفي روايته التي بين أيدينا «ما بعد الظلام» تتحقق أسلوبيته هذه على نحو جلي، رغم محدودية الزمن الروائي. لا تستغرق أحداث الرواية سوى سبع ساعات، تقع بين 11:56 مساءً و6:52 صباحاً، أما ساحتها المكانية فهي مدينة طوكيو اليابانية. وعلى جسد الرواية الذي يعد 240 صفحة تسرد الشخصيات جملة من الأسرار والحقائق المؤرقة، يرويها الكاتب بشكل مفصل ودقيق، وتحدث أغلب أحداثها ليلاً، حتى يتسنى لتلك الأسرار بأن تغرد بصوت خافت، حيث الليل وظلامه الدامس والرؤية الشبه معدومة.

بناء الشخصيات

نسج هاروكي موراكامي أبطال الرواية بحكنة وتميز. قرّب بين شوارع طوكيو لتشهد وقائع شخصياتها بحيث لا تفصلهم سوى أبواب مغلقة، تأنى الروائي في اقتحامها باباً تلو الآخر، ليضع القارئ بين حزمات الدهشة والاستغراب. فطوكيو ليست مدينة العجائب فحسب، بل مجمعاً لفنادق العشاق وملاهي المراهقين أيضاً، مدينة تشبع رغبات روادها، الذين اختبأوا خلف جدران الحقيقة، وجروا خلف الزيف والخداع، حيث الغريزة وحدها دون إدراك لمؤشرات العقل والاكتراث لإنذاراته.

لجأ الروائي إلى تصوير الأبطال والوقائع بشكل دقيق، واتخذ الوصف وسيلته لجذب القارئ، فبعد أن وصف أنوار مدينة طوكيو في منتصف الليل، انتقل إلى رسم تفاصيل البطل «تكاهاشي»، قائلاً: شعره طويل ولكنه متشابك بعض الشيء، أغلب الظن أنه لم يتسنَ له غسله لبضعة أيام، أو ربما خرج لتوّه من إحدى الغابات في مكان ما، أو لعله يجد راحة أكبر عندما يكون أشعث الشعر. تجعله نحافته يبدو وكأنه يعاني سوء تغذية أكثر من كونه ذا قوام رشيق». في كثير من الأحيان جرّد الروائي نفسه من التهم، ليجعل القارئ قاضياً يحكم على الشخصيات والوقائع لوحده، من خلال وضع الاحتمالات وسرد الأحاديث في مسارات عدة، تحمل كل منها رسائل مبطنة، بحيث يدع للقارئ حرية اكتشافها.

أكمل الروائي وصف البطل تكاهاشي الذي دخل المقهى، ليتخذ من المقعد المقابل للبطلة «ماري إيساي» مكاناً يسترجع به ذكرياته مع شقيقتها الكبرى «إيري»، التي كانت تفوق ماري جمالاً وشهرة، بينما تختلي هي في هذا المقهى بصحبة كتاب كبير، يظنه تكاهاشي أثقل من يديها الصغيرتين. سألها مراراً عن سبب قراءتها لهذا الكتاب وجلوسها في هذه الساعة المتأخرة في مقهى طعامه متواضع وخدمته غير مرضية نوعاً ما، لتجيبه ماري تكراراً بإجابات غامضة، مرسلة إنذارات غير مباشرة بعدم التدخل في شؤونها، فمسألة لقائهما الأول منذ أربع سنوات بصحبة أختها الفاتنة إيري، ليس مبرراً للدخول معها في حوار شخصي، قد يستنبط منه العديد من الأسرار التي كانت سبباً لوجود ماري خارج المنزل لساعات متأخرة من الليل. وبأسلوبه الدقيق في الوصف، انتقل هاروكي لشخصيات روايته الليلية‮، بدءاً من «‬كاورو‮» ‬مديرة أحد فنادق العشاق،‮ ثم «‬شيراكاوا‮» الذي يعمل حتى ساعات متأخرة من الليل، ثم يضطر لقضاء وقت الاستراحة بين تلك الفنادق.. والذي اضطر في إحدى الليالي إلى ضرب فتاة صينية ارتادت معه الفندق الذي تديره «كاورو».‬

نهاية مفتوحة

يعود الكاتب إلى فتح أبواب تلك الأسرار شيئاً فشيئاً، ليفاجأ القارئ بسر غياب «ماري» عن المنزل لساعات متأخرة، فمنذ عدة أشهر، انسحبت الشقيقة الكبرى «إيري»، بينما يتناول أفراد العائلة وجبة العشاء، مبررة ذلك بحاجتها الماسة إلى النوم في هذه اللحظات تحديداً ، ومنذ تلك اللحظة لم تستيقظ إيري بشكل فعلي، حيث عجز الجميع عن تفسير حالتها، فقد كانت تصحو من النوم لتتناول الطعام في غرفتها وفي ساعة متأخرة من الليل حيث لا يراها أحد، لتغط بعد ذلك في نوم متواصل، أكد الأطباء النفسيون بأنه ليس مجدياً أن يتم إيقاظها رغماً عنها، ما دامت تشعر بحاجتها إلى النوم العميق. هكذا يستمر الروائي في الإفصاح عن الأجزاء الأولى من الأسرار ليترك للقارئ فرصة التفسير والتأويل، قد يراها البعض هشاشة في سرد الأحداث، حيث يرغب بعض القراء بمعرفة أشخاص الرواية وتفاصيلها بوضوح بعيداً عن الغموض، أيضاً صنفها البعض بالرواية الفارغة، كونها مجرّدة من الأهداف والوقائع السليمة، فأغلب شخوصها يجرون خلف غرائزهم نحو الفنادق والمقاهي، مفتقرين إلى معاني الحياة الحقيقية، بينما يرى نظائرهم من القراء بأنها رسالة واضحة، نصح بها الروائي متابعيه من القراء بعدم الانصياع نحو رغباتهم، ووصفه لمدى تفاهة الحياة إن اقتصرت على الجري خلف تلك الغرائز.

أخيراً، وكما ذكرنا مسبقاً، استطاع هاروكي خلق بدايات الرواية عن طريق الوصف والسرد الغامض، إلى جانب جلب الاحتمالات، ليضعها نصب الأعين، تاركاً المجال مفتوحاً لنهايات متعددة من صنع قرّاء الرواية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف