• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

حميد ياسين في عين التجريد

اللوحة بوصفها حلماً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 يناير 2014

د. رسول محمد رسول

رغم المحن التي مرت به بلاده خلال أربعة عقود، لا يزال الفنان التشكيلي العراقي حميد ياسين رابضاً في الداخل العراقي، يواجه صور الخراب والقتل اليومي ورثاثة الأشياء من حوله، ولا يملك إلاّ فرشاته ولوحاته التي تمنحه سر البقاء في عالم بدا غريباً في تقلّباته المؤذية. ولد حميد ياسين في تموز / يوليو عام 1941م ببغداد. بدأ الرسم في حدود عام 1957، ليدرس في (معهد الفنون الجميلة) ببغداد، ويدرس تالياً علم النفس في (كلية الآداب). عرض أولى لوحاته في (قاعة الواسطي) ببغداد عام 1961، وصار بعد خمسة أعوام عضواً في (جمعية الفنانين العراقيين)، وعمل في مجال التدريس، والأهم من ذلك في مجال الكتابة الفنية والموسيقية والصحفية. وفي عام 1969 أسهم في تأسيس (دار ثقافة الأطفال)، وبعد خمسة أعوام أسهم بتأسيس (جمعية الخطاطين العراقيين) ببغداد. وفي عام 1974 سافر إلى باريس لإقامة أول معرض له خارج العراق على قاعة (غاليري ميليه)، لتتوالى معارضه بعد ذلك.

رغم أن الفنان الكبير (فائق حسن) لا يميل إلى اللوحة التجريدية، لكنه قال لحميد ياسين المولع منذ بداياته بالتجريد: “إذا استطعت أن ترسم تجريدات على هذا المستوى بشكل دائم فأنا أنحاز إليك علناً”، وبدا كلام الفنان الراحل شهادة تاريخية قيلت بحق تجربة حميد ياسين التي كانت فتية في حينها لكنه شق طريقه في الرؤية والمنهج ذاتيهما حتى أصبحت تجربته الفنية مشروعاً متكامل الخطاب... “الاتحاد الثقافي” التقى الفنان حميد ياسين في بغداد فكان هذا الحوار:

◆ أيهما اختارك لتكون رساماً، رغبتك في الحياة أم رغبة الصدفة لتكون رساماً؟

◆◆ في طفولتي كنتُ أحاكي كل ما يقع أمامي بالرسم، وبشكل خاص تلك الأشياء التي تثير حواسي بالجمال كالشجر والطيور والقمر، وحينذاك كنتُ لا أعرف كيف يمكن أن أكون رساماً، ولا يوجد في محيطي الاجتماعي من يعلّمني الرسم، وكنتُ لا أميل إلى تقليد الصور المرسومة والفوتوغرافية، بل كان يثيرني الأداء المتقن في كل شيء، وفي المدرسة الابتدائية كنتُ أفضل الرسم على الرياضة التي تجد ترحيباً أوسع من قبل الإدارة والطلاب. وعلى إثر رسومي التي كنت أنفذها على الورق بقلم الرصاص والأقلام الدهنية فأعاقب من قبل مدير المدرسة الذي يشجع على الرياضة أكثر من الرسم، ولأني كنتُ أعلق صوري الورقية على جدران الصفوف وهي صور متخيلة للمغني الكبير (محمد عبدالوهاب)، و(جيمس واط)، مكتشف قوة البخار، لا أنسى التشجيع الجديد الذي كان يرعاني به المؤرخ العراقي (جعفر الخليلي) الذي كان معلماً في مدرستي آنذاك، ويدافع عني أمام إدارة المدرسة لاعتقاده بأني موهبة فنية لا بد أنها ستظهر يوماً ما، ولعل اطلاعي على السيرة العلمية للصبي العبقري (جيمس واط)، مكتشف قوة البخار المنشورة سيرته في (كتاب التاريخ) للصف الرابع الابتدائي قد ألهب في نفسي حماساً على الرسم والابتداع، وكانت آنذاك تشغلني رسوم القطط والطيور.

◆ ما اللوحة الأولى التي خرجت من تحت أصابعك وقلت عنها إنها لوحتي الأولى؟

◆◆ أول لوحة رسمتها يوم لم أكن قد امتلكت أسلوباً خاصاً بالتعبير، بل كانت تقليداً لرسوم الفنان العراقي الرائد (إسماعيل الشيخلي) وهي لوحة (العلابات)، إذ كنت مندهشاً بذلك العمود الطويل من العلب الخشبية المملوءة باللبن الرائب والمنتصب على رأس فتاة كانت تبيع سلعتها على البيوت، وكنتُ قبل ذلك أرسم بقلم الرصاص وتدرجه الضوئي على الورق؛ الوجوه والطيور والمنائر والزوارق، وكانت رسومي تحظى بإعجاب من يراها الأمر الذي جعلني أعتقد بأني أصبحت مؤهلاً للانضمام إلى جمعية الفنانين العراقيين يوم كان يرأسها النحّات (جواد سليم)، فتقدَّمت بطلب إلى الجمعية لغرض قبولي عضواً فيها فرفض طلبي لصغر سني، ولكن جواد سليم أوصى الفنان الرائد (سعد الطائي) الذي أخذ بيدي وشجعني، وقال لي يومها كلاما لا أنساه: “إن الفنان الناجح هو الذي استطاع أن يوفق بين أدواته والثقافة”، ودلّني على استخدام الأصباغ المائية والزيتية. وبعد ثلاثة أعوام من ذلك تقدّمت بثلاثة أعمال مرسومة بالأصباغ الزيتية ما زلتُ احتفظ بها حتى الآن قبلت على أثرها عضواً في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، وكان يرأسها آنذاك الفنان الرائد (حافظ الدروبي)، ويوم قبولي عضواً في تلك الجمعية كنتُ انتظر بلهفة خروج مجلسها من اجتماعهم الدوري لأعرف النتيجة، فكان أول الذين غادروا صالة الاجتماع الفنان الرائد الكبير (فائق حسن) الذي شدَّ على يدي وصافحني وقال لي بالحرف الواحد: “أنت تعرف أن فائق حسن ضد التجريد أليس كذلك؟ ولكني أقول لك بصراحة: إذا استطعت أن ترسم تجريدات على هذا المستوى بشكل دائم فأنا أنحاز إليك علناً”. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف