• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

واحد من طراز جديد من المثقفين

فاتسلاف هافل.. سيرة مفكّر منشقّ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 يناير 2014

أبرزت الأحداث، التي هزّت البلدان الشيوعية في أوروبا الشرقية أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، للوجود مثقفين من طراز جديد لعبوا دورا أساسيا وجوهريا في بلورة مطالب الجماهير الشعبية، وفي توجيه انتفاضتها وثوراتها العارمة التي عرفتها برلين الشرقية، وبراغ، وصوفيا، والتي خلت من كل مظاهر العنف والفوضى والتخريب، مؤدّية في ظرف قصير للغاية الى انهيار الشيوعية وجدار برلين.

من غير الممكن، في تقديري، أن نقارن هذا الطراز من المثقفين بأولئك المثقفين «العضويين» التي سعت الاحزاب الشيوعية والتوتاليتارية الى خلقهم، ولا بأولئك المثقفين المُسيّسين الذين نعثر عليهم في هذا البلد او ذاك من العالم الرأسمالي مثل غونتر غراس في ألمانيا، أو ريجيس دوبرييه في فرنسا على سبيل المثال لا الحصر.

نظرة الماركسية

كان كارل ماركس أوّل من حدّد مفهوم «المثقف العضوي» إذ وصفه بأنه ذلك الذي يتخلّى عن مصالحه الطبقية الضّيقة لينحاز الى البروليتاريا التي ولّدها واقع الرأسمالية الجديد، والتي تجسد في نظره المستقبل الحقيقي للبشرية جمعاء. غير أن مواصفات ماركس للمثقف «العضوي» كانت قريبة إلى حد ما من مواصفات الفيلسوف أو المفكر المستنير التي حدّدها لنا كبار فلاسفة الأنوار من أمثال فولتير وروسو وديدرو، وغيرهم من أولئك الذين مهّدوا بأفكارهم لاندلاع الثورة الفرنسية عام 1789م، ولتفجير اغلب الثورات التي أعقبتها مطيحة بالأنظمة الاستبدادية والاوتوقراطية في أوروبا، وواضعة اللبنات الأولى لعصر الديمقراطية والبرجوازية. بالإضافة الى ذلك نحن لا نفهم من خلال تلك المواصفات أن ماركس يرى أنّ على المثقف العضوي أن يكون تابعا للبروليتاريا ومنخرطا في أحزابها ومنظماتها، ويتخلى بالتالي عن دوره النقدي والتوجيهي ليصبح مجرد منفّذ مطيع لجميع القرارات والمواقف التي يتبناها زعماء الأحزاب البروليتارية وقادتها.

أما بالنسبة للينين وستالين وماوتسي تونج وأنور خوجة، فإنه يمكن القول إنهم شوهوا مفهوم المثقف العضوي. وبسبب هذا التشويه ارتكبت أخطاء فادحة، وجرائم فظيعة أطفأت ذلك البريق الساحر الوهاج الذي كانت تتميز به الماركسية في صفوف البروليتاريا، ولدى الطبقات العمالية بصفة عامة، وأيضا لدى أوساط المثقفين المستنيرين والتقدميين المناهضين للبرجوازية والرأسمالية.

وكان لينين أوّل من رفع الدوغمائية الى حدودها القصوى في هذا المجال، مجال تشويه مفهوم المثقف العضوي، وأوّل من أباح لنفسه تقسيم العالم الى أبيض وأسود، والمثقفين إلى فئتين: فئة مناصرة للبروليتاريا، وفئة معادية لها. وعلى هذه الفئة الاخيرة شنّ حروباً ضارية. وذلك بالرغم من أن أغلب المكونين لهذه الفئة معروفون بمواقفهم المناصرة للعدالة والتقدم والحرية. ولكن بسبب رفضهم أطروحات البلاشفة بخصوص الصراع الطبقي وديكتاتورية البروليتاريا، وضعهم لينين ضمن الفئة المعادية للبروليتاريا، وبالتالي هم ينتمون الى تلك الفئات المحكوم عليها بأن تلقى في «مزبلة التاريخ». ومدفوعا بما عرف به من مكر سياسي، راح لينين ينقب في مؤلفات كبار المبدعين الروس من أمثال غوغول وتورغينيف وبوشكين وتولستوي وديستويفسكي وغيرهم، عن كل ما يمكن أن يبرّر أطروحاته، ويدعم الحزب البلشفي على المستوى النظري. وكان الروائي الكبير ماكسيم غوركي (1868-1936م) الذي ظل وفيا للفقراء والمعدمين حتى اللحظة الأخيرة من حياته أوّل من واجه هذا الاسلوب المتحجر، وهذا التفكير الايديولوجي الإقصائي وضيق الأفق. ففي المحادثة التي أجراها مع لينين بخصوص مسألة المثقفين، وصفه هذا الأخير «بالمثقف البرجوازي الصغير»، مؤكداً أن بروز «منظّرين أكفاء للطبقة البرجوازية الصغيرة يتطلب وقتاً طويلًا، ومؤلما ، وغير مضمون النتائج». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف