• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

القراءة الواعية تفعّل دوره في احترام التنوع الثقافي

التراث.. لا يستقيم إلا بالنقد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 يناير 2014

محمد وردي

التراث، بشقيه المادي والمعنوي، هو حكاية سيرة الأولين “بعَجَرِهِمْ وبَجَرِهِمْ” كما يقولون. أي صورة ناطقة بلسانهم، تقص أثرهم وترصد مسار حيواتهم كما كانت، من بداياتها حتى نهايتها، صورة تروي مآثرهم ومفاخرهم، بسلمهم أو حربهم، بانتصاراتهم وانكساراتهم، بمسراتهم وأحزانهم، بإشراقاتهم وخيباتهم، بنضارتهم وغضارتهم، أو مرارتهم وعذاباتهم، صورة طبق الأصل عن مجتمعهم وعن زمنهم، من دون رتوش أو تزويق.

ويعتبر التراث، من أهم المؤشرات لقياس مستوى ارتقاء وتطور الأمة - الشعب، أو المجتمع، سواء لجهة قدرة أبنائه على التفاعل الإيجابي أو السلبي مع بيئتهم في الأزمنة الغابرة، أو على مستوى تناغمهم وتفاعلهم الإيجابي مع الحضارات السائدة بزمنهم، أو ملاحظة مدى شرنقتهم وانغلاقهم على ذاتهم، وانقطاعهم عن الآخرين. والتراث بهذا المعنى يشكل أحد المكونات الرئيسية لهُوية الأمة الثقافية، لأنه يلعب دوراً مهماً في تقوية روابط الانتماء الوطني، وتعزيز الشعور بالعِزَّة القومية، وخصوصاً لجهة حشد القوى على مستوى الاستجابة الإيجابية الفاعلة للتحديات الحضارية الطارئة بكل أشكالها العسكرية والعلمية والفلسفية.

ولكن السؤال الأهم، هل يقتصر دور التراث على قياس مستوى تطور الآباء والأجداد، أو دوره بالمساهمة في تشكيل مكونات الهُوية الثقافية للأمة، وتعزيز قيم الولاء والانتماء الوطني والقومي فقط؟

تؤكد الدراسات في مجال العلوم الإنسانية - على الأقل خلال العقود الخمسة الأخيرة - أن التراث، أو الموروث الثقافي بكل مستوياته وأشكاله، أو جوانبه التنويرية أو المظلمة، يمثل سيرة إيجابية للسابقين بكل المعاني الثقافية والإنسانية، وخصوصاً في عملية محاكاة الحاضر واستشراف المستقبل. وهذا ما جعل المجتمع الدولي يتداعى في إطار منظمة “اليونسكو” منذ عام 1972 لعقد اتفاقية حماية التراث العالمي، باعتباره إرثاً إنسانياً مشتركاً، يستوجب حمايته وصونه من جميع البلدان، في كل الظروف. وشارك بالتوقيع على هذه الاتفاقية 178 دولة حتى الوقت الراهن. ولم تعد الاتفاقية كما بدأت، أي مقتصرة على الجانب المادي من التراث، مثل المباني العمرانية التاريخية والمحميات الطبيعية واللُقى الآثارية والأحفوريات بكل أشكالها، وإنما باتت الاتفاقية تشمل الاهتمام بالجانب اللا مادي، أي المعنوي، مثل الآداب والفنون بأنواعها، والاحتفالات الفولكلورية بالمناسبات الموسمية أو السنوية، والعادات والتقاليد في الأزياء والزواج والمأكل والمشرب.

أي باختصار جميع الأدوات والأشياء التي تدخل في إطار السلوك الإنساني، لأنها جميعها تعتبر مكتسبات إنسانية تخص البشرية جمعاء، من حيث تفاعلها وتمازجها بالثقافات الأخرى، فتغنيها وتغتني بها.

وتُجمع الدراسات المعاصرة، على أن الدلالات المعرفية للتراث ينبغي أن تتجاوز الحاضر إلى استشراف المستقبل، لأن قراءة التاريخ الواعية، ليست استعادة للماضي الذي انطوى ومضى إلى غير رجعة بغثه وسمينه، وإنما هي بالضرورة العلمية قراءة ملهمة، ذلك لأن القراءة الواعية للصيرورة التاريخية بأخطائها وصوابها، تمثل علامات على الطريق، سواء لجهة تحفيز العقل في حالة الصواب، أو لجهة تصويب مسار التفكير، أو آلية عمل العقل في حالة الخطأ، بغرض تسديد الرؤى، في إطار تعزيز قيم الجمال بمواجهة القباحة، لجعل الحياة ممكنة من ناحية، ومن ثم الارتقاء بالسلوك الإنساني عموماً، من أجل عمار كوكب الأرض في إطار سلمي، يضمن الرفاهية للجميع من ناحية ثانية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف