• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

عبر روايته «بعيداً من الضوضاء، قريباً من السكات»

محمد برادة يتقصى تاريخ المغرب في خمسة عقود

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 15 مارس 2014

محمد نجيم (الرباط)- في عمله الروائي الجديد «بعيداً من الضوضاء.. قريباً من السكات» يحاول الروائي والناقد والمترجم المغربي محمد برادة تسليط الضوء على خمسة عقود من تاريخ المغرب، من خلال حيَوات أبطال عاشوا هذا التاريخ وتشابكوا مع أحداثه.

الرواية التي تقع في 220 صفحة من القطع المتوسط، والصادرة عن «دار الفنك للنشر» بالدار البيضاء، تتناول حياة أربع شخصيات من أجيال متباينة تستعيد مسارها، على خلفية أكثر من خمسين سنة مرت على استقلال المغرب، حيث يكتب برادة على الغلاف الأخير من الرواية أن الرواية هي نتيجة تجربة عاشها الشاب الراجي العاطل عن العمل، والذي كلفه أحد المؤرخين بتجميع آراء الناس حول مستقبل المغرب. وأثناء قيامه بمهمة ّ مساعد المؤرخ انجذب الراجي إلى كتابة رواية تستوحي مسار ثلاث شخصيات: توفيق الصادقي المولود سنة 1931، والمحامي فالح الحمزاوي، والدكتورة النفسانية نبيهة سمعان المولودان سنة 1956. ما بين فترة الحماية الفرنسية ونصف قرن من الاستقلال، تبدلت القيم، وامتزجت أسئلة الهوية بالتطلع إلى مجتمع العدالة والتحرر، فيما احتدم الصراع بين سلطة المخزن الماضوية، وتيار الحداثة المعوقة، بين التاريخ والتخييل، تبتدع الذاكرة شرفة للتأمل ونسج الكلام الحواري المبلور لوعي جديد: وعي ينبت بعيداً من الضوضاء، يسعفه السكات على التقاط ما وراء البلاغة الجاهزة، ويقوده إلى استشراف ربيع هو دائماً في المخاض.

ويقول برادة في شهادة خصها بها «الاتحاد»: «إن أبطال الرواية هي شخصيات تفاعلت مع هذا التاريخ، وأكد أن الرواية هي حفر أدبي لإماطة اللثام عن صراع يشهده المغرب بين جيل عاش التقليد خلال فترة الاستعمار، وجيل ما بعد الاستقلال الذي ينشد الحرية والعيش تحت مظلة الحداثة والمعاصرة».

ومن فضاء الرواية نقرأ: مملوء بطفولتي أحسني. هي وحدها تكاد تطفو على ما عشته من سنوات تجاوزت الثلاثين. امتلاء يعود، فيما أحسب، إلى أنها طفولة ارتبطت بمدينة فاس القديمة، بحي (المخفية) وما جاوره، وصولًا إلى ساحة الصفارين ومكتبة القرويين وأبواب المسجد السبعة التي كانت تجتذبنا ونحن نتجارى عبر الأزقة الضيقة المحيطة بها. بل أقول الآن، لعل شعوري بامتلاء طفولتي منحدر أكثر من ذلك الفضاء الغاطس فيما بين العتمة وضوء الشمس المُتسلل؛ فضاء يشمل مجموع المدينة، سرعان ما يحولها عبر التذكر، إلى مدينة مسحورة تسندها الخرافات والحكايات العجيبة والنماذج البشرية غير المّتوقعة.

هل أسقط عليها السحر والبهاء لأنها منحتني طفولة سعيدة، مقترنة بالحركة والشيطنة المتحررة من أوامر الردع والإلجام؟ ربما في ذلك بعض الصحة؛ فعندما كبرت وبدأت أقرأ الكتب، صادفت في أكثر من موضع عبارات تؤكد أن الطفولة السعيدة تمنح صاحبها قدرة على التحدي ونبذ الكآبة. قد يعود إذن هذا الإسقاط إلى ما قرأته، وربما أيضاً لأننا مع تقدم العمر والملاحظة، نتبين أن قسطاً كبيراً مما نعيشه إنما يتم عبر محكي ينقل بدوره محكيات نسجتها الذاكرة والقراءة والتعليقات الشفوية العالقة بمخزوناتنا السمعية. لا يهم، فأنا أنطلق خلال استعادة حياتي في مرحلتها الأولى، من تلك الصورة الزاهية الهنية لطفولتي في مدينة فاس القديمة، أحكيها عبر ذاكرتي، وعبر ما تراكم من محكيات سمعتها عن فاس. كنا نسكن في الجزء الفوقي من دار تقليدية الطراز، يكسو الزليج معظم جدرانها، والفناء الواصل بينها وبين الضوء ينتهي بمربعات حديدية مثبتة على مواف المساحي المنفتحة على السماء عند السطح. وهي قضبان وضعت خوفاً من أن يتدحرج الأولاد، وهم يلعبون في هذا الفضاء المفضل لديهم.

أبي معلم دباغ، ينتمي لعائلة معروفة بخبرتها في هذه المهنة؛ وأمي من عائلة مستورة، وتمتلك جمالًا لافتاً للنظر؛ وأختي الكبرى ترعاني منذ الصغر، وتحثني على الاجتهاد في المدرسة منذ السادسة، أحسست أنني ابن العائلة المدلل، وأن الكل يرعاني ولا أحد يعاكس رغباتي، ووجدت أن هوايتي في اللعب بالأزقة المعتمة والتردد على فناء ضريح مولاي إدريس، وصحن جامع القرويين، حيث يلذ لي أنا وأصحابي، أن نقلد المصلين في حركات الوضوء، وأن نجري متصايحين، عندما نلمح مقدم المسجد يتعقبنا».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا