• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

المجتمعات السكانية اليافعة ستشهد تمدداً حضرياً متسارعاً، يؤجج الصراع في «ديمقراطياتها الطموحة»

التنبؤات السياسية للديمغرافيا!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 06 مارس 2015

تُعرف الديمغرافيا السياسية بأنها «دراسة حجم السكان وتركيبتهم وتوزيعهم، وعلاقة ذلك بكل من الحكومة والسياسة». ورغم حيوية هذا الحقل فإنه لم يحظ بالأهمية التي يستحقها في مجال العلوم السياسية. بهذه الملاحظة يستهل كل من جاك جولدستون وإريك كوفمان ومونيكا توفت، كتاب «الديمغرافيا السياسية»، والذي يوضحون فيه، مع 16 من الباحثين والخبراء الآخرين، عبر 17 فصلا في 460 صفحة، «كيف تعيد التغيرات السكانية تشكيل الأمن الدولي والسياسة الوطنية». فقد اضطلعت الديمغرافيا تاريخياً بدور مهم في دراسة العلاقات الدولية، وبينت كيف يتأثر التنافس بين الأمم الرئيسية عبر التاريخ بالحجم النسبي للسكان ووتيرة نموهم، إذ كثيراً ما كانت البلدان ذات المجتمعات السكانية اليافعة والمتزايدة أشد عدوانية، وغالباً ما أدى النمو السكاني القوي إلى التنافس على الأراضي والموارد، وكثيراً ما كان ارتفاع عدد السكان مصدراً لمزايا رئيسية في التنافس الدولي. لكن بتعميق البحث في هذا التصور، يوضح مؤلفو الكتاب كيف أصبح تصوراً تقليدياً متجاوزاً في عالم اليوم، لاسيما في ظل نمط «الحرب غير المتماثلة»، والتي يكون الاعتماد فيها ليس على عدد الأشخاص في الدول أو الجيوش، بل على توزيعهم وولائهم. بمعنى أن العوامل الديمغرافية لا تزال تنهض بدور كبير فيما يخص تقييم مخاطر العلاقات الدولية والصراعات وما قد يتمخض عنها، لكن المسألة ليست محصورة في عدد السكان، بقدرما هي مرتبطة بنوعيتهم وأماكن توزعهم.

وكما يشرح الكتاب، فإن المجتمعات السكانية للقوى العظمى تعاني الآن من أعراض الشيخوخة وتباطؤ النمو، وحتى في الصين -بسبب سياسة «الطفل الواحد»- بدأ عدد مَن هم في سن الخدمة العسكرية في التناقص. كما أن أربعة من بين الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي، هم الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا، تقلصت حصتهم من الناتج العالمي الإجمالي من 48٪ عام 1950 إلى 35٪ عام 2008. وبالمقابل قفزت حصة البلدان النامية، لاسيما الصين والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وتركيا وجنوب أفريقيا.. بفضل «الهبّة الديمغرافية» التي تركز التوزيع السكاني فيها على الشرائح العمرية التي هي في أوج العطاء، بينما يتقاعد سكان أوروبا والولايات المتحدة بصورة متزايدة. وفيما يتوقع الكتاب أن ترزح الدول المتقدمة تحت عبء تكاليف صحية أكثر ارتفاعاً بسبب مجتمعاتها السكانية الشائخة، فهو يتوقع أيضاً أن تنتقل مراكز الابتكار إلى البلدان النامية، والتي ستكون معدلات الادخار فيها أعلى بسبب دخول عدد من الأسر أوج سنوات عطائها، مما يتيح لها الادخار لاقتناء المسكن وتوفير مصاريف التعليم والتقاعد. وهكذا فإنه بناءً على الاتجاهات السكانية الإجمالية، ستنتقل مراكز نمو الاقتصاد العالمي بعيداً عن الغرب، وباتجاه الاقتصادات النامية في أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

وقد يكون لهذا التحول في قيادة الاقتصاد العالمي تأثير استقطابي على التنافس السياسي في البلدان الغنية، حيث سيلقي البعض باللوم فيه على الحكومة، ويلوم البعض الآخر المهاجرين، بينما سينحي فريق آخر باللائمة على المنافسة الخارجية. وأياً كان الأمر، فالنتيجة محلياً وعالمياً ستكون سياسة أكثر استقطاباً وتقلباً. وعلى الجانب الآخر يتوقع الكتاب أن تشهد العديد من مناطق العالم النامي، خلال السنوات المقبلة، مجتمعات سكانية يافعة جداً، وتمدداً حضرياً متسارعاً للغاية، مما يخلق اضطراباً في «الديمقراطيات الطموحة»، ويؤجج الصراعات الإثنية والإقليمية. وهكذا يمكن للديمغرافيا أن تخبرنا بالكثير عن واقع السياسة وتتنبؤ بأنماط تغيراتها المحتملة.

محمد ولد المنى

الكتاب: الديمغرافيا السياسية

المؤلفون: جماعة

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

تاريخ النشر: 2014

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا