• الخميس 29 محرم 1439هـ - 19 أكتوبر 2017م

تعاني من نقص الإمدادات ورعب «الشبيحة»

بلدة «قصير»... يوميات تحت الحصار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 06 مارس 2012

عندما توقف القتال بدت بلدة "قصير" السورية غافية وسط هدوء مطبق ما عدا صوت محرك الدراجة النارية الذي يكسر السكون، فيما يجلس الرجال أمام المحال المغلقة يتحدثون بأصوات خافتة، والأطفال من حولهم يتراكضون في الأزقة القريبة التي يعلوها الغبار ويغطيها الحصى. ولكن ما أن يُسمع أزيز الرصاص ودوي قذائف المدفعية التي تغرق البلدة في ضجيج الحرب حتى يسارع الرجال إلى جمع كراسيهم والدخول إلى البيوت ويتبعهم الأطفال ليتصاعد دخان أسود من بعض الأماكن كدليل على استهدافها. وطيلة الأشهر الستة الماضية حاصرت قوات الأسد بالدبابات البلدة التي يقطنها 40 ألف نسمة، وهو ما قطع خطوط الإمدادات الرئيسية التي تربط قصير بالخارج ومنع وصول الغذاء والوقود، فيما الدواء يتم تهريبه من لبنان المجاور الذي يبعد بحوالي سبعة أميال إلى الجنوب.

والحقيقة أن ما تعانيه بلدة قصير يعطي فقط لمحة عن الوضع العام في سوريا التي تحولت فيها المظاهرات السلمية ضد نظام الأسد إلى مواجهات عنيفة ذات طابع طائفي واضح وبتكلفة بشرية فادحة، فالخبز الذي يعد من المواد الأساسية في سوريا بات نادراً ومعه أيضاً وقود التدفئة الذي أصبح الحصول عليه في غاية الصعوبة، هذا في الوقت الذي أغلقت فيه المقرات الحكومية في البلدة أبوابها معطلة بذلك مصالح الناس وأرزاقهم، ولاسيما من كانوا يعملون في الإدارات الحكومية المختلفة. وعن هذا الوضع الصعب تحدث رجل ميسور من سكان البلدة عرف عن نفسه على أنه الدكتور عباس قائلاً: "يمكن القول اليوم إن الغني والفقير في البلدة باتا متساويين، فهما يأكلان الطعام نفسه ويرتديان اللباس ذاته"، مضيفاً "ليست هناك بنوك ولا رواتب ولا مستشفيات ولا مدارس، فالكل متوقف".

وفي وسط المدينة حيث يوجد المستشفى الرئيسي تظل الاستفادة من خدماته أمراً مستعصيّاً أيضاً على السكان بسبب الانتشار الكثيف لقوات الجيش واعتلاء القناصة لأسطح المدارس وخاصة أنهم يطلقون النار على كل من يتحرك بالقرب منهم. كما أن نقاط التفتيش برجالها ودباباتها تطوق المدينة وتمنع دخول الإمدادات إليها. وفي كل صباح يحتشد الناس في صفوف طويلة أمام المخبز الوحيد الذي ظل مفتوحاً في المدينة، مقاومين برد الشتاء القارس ومياه المطر المتجمدة، وهذا ما يصفه ميكانيكي من سكان البلدة اسمه وائل قائلاً "نحن لا نستطيع العيش طويلاً بهذه السترات الصوفية الغليظة الثقيلة، لقد أخذ بشار الأسد الوقود وخصصه للدبابات فيما نحن نموت من البرد". وعندما سمع أحد الرجال المسنين هذا الحديث قاطعنا قائلاً: "لقد اضطررت لحرق حذائي القديم لتأمين بعض الدفء لأبنائي"! وفي شوارع البلدة الرئيسية أُغلقت معظم المحال أبوابها بعدما نفدت البضاعة وشح المال ولم يعد الناس قادرين على الشراء. وبالنسبة لـ"أبي علي" الذي يملك محلاً للبقالة لم يعد يستطيع تأمين المواد الأساسية ما تسبب في ارتفاع صاروخي للأسعار، حيث ارتفع سعر الأرز إلى 75 ليرة سورية للكيلو مقارنة بسعره الأصلي 50 ليرة، والأمر نفسه ينطبق على باقي المواد بدءاً من العدس وليس انتهاء بحفاظات الأطفال.

وفي غياب الشرطة والمستشفيات والمدارس وأي ملمح من ملامح الوجود الحكومي الرسمي تعتمد بلدة قصير على نحو متزايد على سكانها مثل عباس، رجل الأعمال، الذي يرأس اجتماعات السكان لمناقشة الكيفية التي يمكن بها إدارة شؤون البلدة. وعباس هذا يعمل أيضاً على موضوع العلاقات بين الطوائف المختلفة في المدينة التي تضم على غرار باقي البلدات والمدن السورية أقليات من العلويين والمسيحيين وسط أغلبية من المسلمين السنة، ويعتبر العديد من السنة أن تلك الأقليات استفادت من حكم حزب "البعث" في البلاد طيلة السنوات الماضية. وعلى رغم التوتر يؤكد سكان البلدة أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين ظلت مستقرة عموماً فيما العلويون، الذين ينتمي إليهم الأسد، ويشكلون بضع مئات من سكان قصير، بقوا منكفئين على أنفسهم.

ولكن على رغم ذلك تندلع بعض الحوادث المعزولة ذات الطابع الطائفي، من حين لآخر، مثلما حصل في الشهر الماضي عندما أقدم أفراد من عائلة "حنا" المسيحية في البلدة وهي عائلة معروفة بمساندتها للأسد، على اعتقال بعض العناصر من السنة انتقاماً لمقتل أحد أفرادهم على يد الثوار الذين شكوا في إطلاقه النار على المحتجين، فجاء رد الثوار بخطف بعض المسيحيين الأمر الذي دفع بشيوخ البلدة إلى التدخل. ومع اختلاف الروايات يصر عباس على أن ما حصل لا يعدو كونه سوء تفاهم، حيث يصور النشطاء مثله ما يجري في بعض الأحيان من توتر على أنه مجرد خصومات شخصية وليست ذا أبعاد طائفية. ويتهم النشطاء الحكومة بالسعي إلى استغلال الاختلافات بين السكان لزرع الانقسام في صفوف المعارضة. وعن المسيحيين المختطفين يتحدث أحد النشطاء يلقب بـ"أبي سعود" قائلاً: "لو كانوا سنة يعملون مع النظام لقتلناهم على الفور، ولكنهم مسيحيون والأمر ينطوي على بعض الحساسية"، مشيراً إلى أحد النشطاء السنة في القاعة الذي قتل ابن عمه من قبل الثوار لتعاونه مع "الشبيحة"، وهو ما رد عليه الناشط المعني على الفور قائلاً: "لست غاضباً لمقتل ابن عمي لأن أي شخص يعمل مع الأسد عليه الرحيل سواء كان سنيّاً أو مسيحيّاً أو علويّاً، عليهم جميعاً الرحيل".

غير أن الصراع بين الثوار ونظام الأسد يكبد السكان خسائر في الأرواح، ففي أحد الصباحات الباكرة قرفصت والدة "أبي أيهم" بجانب جثة ابنها وهي تذرف الدموع، فيما شقيق القتيل يجفف دموعه وهو واقف بالقرب منه، وعلى رغم صعوبة الوضع غالبت الأم ألمها قائلة: "نريد السلاح لأننا سنقاتل رجالاً ونساء". وما أن شرع الأهالي في حمل النعش والتوجه به إلى المقبرة المؤقتة في البلدة بعدما تعذر الوصول إلى مقبرة المدينة الرئيسية بسبب قوات الأسد حتى انطلقت عبارات "الله أكبر، الله أكبر منك يا بشار" في تحدٍّ واضح لآلة القمع وإصرار أوضح على الرغبة في الصمود والقتال. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا