• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

علم البيان «8»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 29 مايو 2016

يعمد ابن قتيبة في كثير من الأحيان إلى إعمال فكره، فيهديه البصر السليم والإدراك الصحيح للمعنى الكريم الذي لا يؤثر فيه طعن طاعن أو شبهة مشتبه، فقول الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) ليس على تأويلهم.

وإنما أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبة، فأنت ترى المخلص المجتهد محبباً إلى البر، والفاجر، مهيباً، مذكوراً بالجميل، ونحو قول الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام: (... وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي...)، لم يرد في هذا الموضوع أني أحببتك، وإن كان يحبه وإنما أراد أنه حببه إلى القلوب، وقربه إلى النفوس فكان ذلك سبباً لنجاته من فرعون، حتى استحياه في السنة التي يقتل فيها الولدان، أما قوله: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا)، فليس السبات هنا النوم، فيكون معناه وجعلنا نومكم نوماً، ولكن السبات الراحة، أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم، ومنه قيل يوم السبت، لأن الخلق اجتمع في يوم الجمعة، وكان الفراغ منه يوم السبت، فقيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، ولا تعملوا شيئاً، فسمي يوم السبت، أي يوم الراحة، وأصل السبت التمدد، ومن تمدد استراح، ويقال: سبتت المرأة شعرها، إذا نقضته وأرسلته، ثم قد يسمى النوم سباتاً، لأنه بالتمدد يكون، وقد قال المسيح عليه السلام للماء: «هذا أبي» وللخبز «هذا أمي» لأن قوام الأبدان بهما، وبقاء الروح عليهما، فهما كالأبوين اللذين منهما النشأة وبحضانتهما النماء، وكانت العرب تسمي الأرض أماً، لأنها مبتدأ الخلق وإليها مرجعهم، ومنها أقواتهم، ومثل هذا كثير.

ورد ابن قتيبة على الطاعنين الذين زعموا أن المجاز كذب، لأن الجدار لا يريد في قوله تعالى: (... فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ...)، والقرية لا تسأل في قوله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا...)، وهذا عند ابن قتيبة من أشنع جهالتهم وأدلها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذباً، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلاً، كان أكثر كلامنا فاسداً، لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ونقول كان الفعل منك في وقت كذا وكذا، والفعل لم يكن وإنما كون، ونقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله تعالى يقول: (... فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ...)، وإنما يعزم عليه، ويقول تعالى: «فما ربحت تجارتهم» وإنما يربح فيها.

ولو قلنا للمنكر لقوله «جداراً يريد أن ينقض» (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ...)، كيف كنت أنت قائلاً في جدار رأيته على شفا انهيار، رأيت جدار ماذا؟ لم يجد بداً من أن يقول جداراً يهم أن ينقض أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض، أياماً قال فقد جعله فاعلاً، والعرب تقول بأرض فلان شجر قد صاح، أي طال، لما تبين الشجر بطوله، ودل على نفسه جعله كأنه صائح، لأن الصائح يدل على نفسه بصوته.

* المرجع البيان العربي - دراسة في تطور الفكرة البلاغية عند العرب ومناهجها ومصادرها الكبرى - تأليف الدكتور بدوي طبانه طبعة منقحة 1972م.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا