• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  03:32    شيخ الازهر يدين "العمل الارهابي الجبان" ضد كنيسة قبطية في قلب القاهرة    

ميزان العدالة

جرائم الشيطانة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 14 مارس 2014

أحمد محمد

اختفت الزوجة في الصباح الباكر من المنزل، خرجت مصطحبة أبناءها الثلاثة الصغار تحمل اثنين منهم على كتفيها، وتجر الثالث في يدها، قبل أن تسطع أشعة الشمس، وينتشر الناس في الشوارع، مازال الهدوء يسيطر على المنطقة، وفي يدها القليل من الملابس القديمة التي تخصهم، استغلت خروج زوجها الذي يعمل خبازاً، واعتاد أن يتوجه إلى عمله في الخامسة صباحا كل يوم في الغالب مع أذان الفجر، ويعود في الواحدة ظهرا يحمل الخبز لهم، فقد أعدت العدة منذ المساء، لذا خرجت فور مغادرته المنزل، لا تعرف في البداية إلى أين ستذهب، ولم تستطع أن تتخذ قراراً، لكن المهم أن تترك المكان كله، ولا يهم بعد ذلك في أي أرض تقيم مهما تباعدت، تركت نفسها تسير حسب مقتضى الحال وكيفما تسير الأمور.

استقلت «سنية» أول سيارة صادفتها، ثم سيارة أخرى إلى حيث إحدى المدن الكبرى البعيدة عن قريتها، المسافة عشرات الكيلومترات، لا يشغلها إلا أن تختفي تماما عن عيون الجميع، خاصة زوجها، لا تريد أن يصلوا إليها، ولا أن تلتقي أياً منهم مرة أخرى، وحطت الرحال في منطقة لا تعرف فيها أحداً ولا تعلم اسمها ولا موقعها، بكت بدموع غزيرة، وبكى أطفالها أيضا لبكائها، مرت سيدة بجوارها ورقت لحالها، توقفت عندها تسألها عن شأنها، فأخبرتها بأنها أرملة توفي زوجها منذ عدة أشهر، ولا تجد ما تطعم به صغارها ولا ملجأ يأويهم ولا ملبسا يستر أجسادهم النحيلة، وتبحث عن أي عمل أو مكان، دعتها المرأة للذهاب معها، حيث شقتها وقدمت لها ولأولادها الطعام والشراب، ثم تركتها في غرفة جانبية لتنام، حيث يبدو عليها الإرهاق والتعب.

هناك في القرية عاد الزوج في موعده يحمل الخبز والجبن، وبعض الخضراوات كما اعتاد فلم يجد زوجته وأولاده، ووجد الباب مغلقاً، لم ينزعج فقد اعتقد أنها توجهت بهم إلى بيت أبيها غاضبة على إثر آخر مشاجرة وقعت بينهما الليلة الماضية، وقرر أن يتركها يومين أو ثلاثة ثم يتوجه لمصالحتها وإعادتها، فهذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها بينهما شقاق واختلاف، بل لا يكاد يمر يوم بلا مشاكل، يضربها ضرباً مبرحاً، ويمكن أن يدمي جسدها أو وجهها ويصيبها بجروح، لذلك نام بعد عودته، وهو يتوقع أن هذا هو الذي حدث.

قبل أن ينتهي اليوم الأول علم أن زوجته لم تذهب إلى بيت أبيها الذي يبعد فقط عشرات الأمتار، فتوجه إلى هناك ليتأكد من ذلك فأخبرته أسرتها بأنها لم تأت، ولم يروها هي ولا أولادها على الإطلاق في هذا اليوم، هنا استشعر الجميع أن في الأمر شيئاً، بحثوا عنها في كل مكان يمكن أن تصل إليه فلم يعثروا لها على أثر، وبعد أن أعياهم البحث وانقطعت بهم السبل اضطروا إلى التوجه إلى قسم الشرطة لتحرير محضر بتغيبها بلا معرفة الأسباب، ولا الظروف ولا إلى أين توجهت، ولا إذا ما كانت قد تعرضت هي والصغار لمكروه، وإن كانت التحريات أكدت وجود خلافات دائمة بينها وزوجها، لكن هذا لم يغير في الأمر شيئاً.

الزوجة الهاربة «سنية» قضت ليلتها في هدوء لكن أيضاً في صراع نفسي بين الاستمرار فيما أقدمت عليه والعودة بأطفالها، لكن الجحيم الذي تعيشه يجعلها أمام خيار واحد، لأنها تعرف أنها لو عادت، فسوف يجبرها أبوها وإخوتها على التصالح مع زوجها، والرجوع إليه كما يحدث في كل مرة حتى وإن كانوا يعنفونه ويوبخونه على تصرفاته، لكنه لم يغير من أسلوبه معها، لذلك لم تكن مترددة في قرارها، لكنها خائفة من المجهول القادم في المستقبل القريب، وفي الصباح الأول لها كانت المصارحة مع السيدة التي استضافتها، اعترفت لها بأنها كذبت عليها وليست أرملة كما أخبرتها من قبل، ولكنها متزوجة، وأنها تعاني الأمرين من زوجها ومعاملته غير الآدمية، فعرضت عليها أن تظل عندها تخدمها، حيث تقيم هي وزوجها وحدهما، ولم يرزقا بأطفال، ومقابل ذلك ستقيم معهما في غرفة جانبية تخصصها لها هي وأطفالها.

هناك في القرية لم يحدث جديد، وتعامل الجميع مع الأمر الواقع بمرور الأيام، واستسلموا بعدما لم تأت جهود البحث ولا المعلومات بأي أخبار عن اختفاء الزوجة وأطفالها، خرجت التفسيرات والتوقعات، ومعظمها يركز على أنهم قد يكونون تعرضوا لحادث ولم يتم التعرف عليهم، بينما هنا سارت الأحوال طبيعية عادية، «سنية» تعمل في البيت تقوم بأعمال النظافة وشراء كل المستلزمات من السوق، وتتناول طعامها هي وأولادها وتنعم بالكثير من الملابس القديمة التي تخلت عنها مخدومتها «نجاة»، التي كثيرا ما تشتري ملابس وتسرف في ذلك، وبالتالي تستغني عنها بسرعة، وتكون من نصيب «سنية» التي تغير شكلها تماماً، والذي يراها لا يتعرف عليها بسهولة، وقد أضفت عليها تلك الحياة نضارة كانت غائبة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا