• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

التنازل الأكبر الذي انتزعته إيران هو الاتفاق على فترة تنتفي بعدها كل القيود القانونية المفروضة عليها

نووي إيران.. أين تتجه المفاوضات؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مارس 2015

في الظاهر لا يوجد ما يجعل النظام الإيراني محط إشادة، فعلى الصعيد الدولي هناك العديد من المآخذ الغربية عليه، ومن ذلك التهجم المستمر على إسرائيل والتشكيك في الهولوكوست وغيرها من الأمور، فضلا عن نظرية المؤامرة التي ينخرط فيها والقصص الغريبة التي ينسجها حول أميركا ونواياها. هذا فضلا عن المآخذ على الصعيد الداخلي، والتي تمثلها عصا النظام الغليظة في قمع حيوية المجتمع المدني وإفقاره الناس وضربه الاقتصاد.

ومع ذلك تظل للنظام خططه الاستراتيجية في توظيف المفاوضات النووية الجارية مع الغرب، ليس لوقف البرنامج النووي، بل للوصول إلى القنبلة النووية! فبعد سنوات من التحدي والتعنت، يبدو أن طهران أدركت فوائد وإيجابيات المفاوضات كطريق مثالي لامتلاك السلاح النووي، بحيث يمكنها التوصل إلى اتفاق مع الغرب، وفي الوقت نفسه الاستمرار في تشييد بنيتها التحتية المفضية إلى السلاح النووي، مع الاستظلال بفيء الحماية والضمانات التي يوفرها الاتفاق النووي لإبعاد العقوبات الاقتصادية واحتمال التعرض لضربة عسكرية.

وبينما كان النظام الإيراني مستعداً في السابق لتجاوز كل الخطوط الحمراء الغربية، كان الثمن في المقابل المزيد من العقوبات الاقتصادية والمتاعب المالية التي تهدد باندلاع اضطرابات اجتماعية. وخلافاً للعديد من محاوريه الغربيين يدرك النظام الإيراني أنه يستند إلى أسس هشة وأن الثورة الإسلامية ما عادت تحظى بالمشروعية السابقة، لذا تنحصر المهمة، حسب رؤيته، في المضي قدماً في البرنامج النووي وفي الوقت نفسه حماية السلطة وصيانة مبادئها الأيديولوجية.

وفي كثير من الجوانب يمثل الاتفاق النووي الجواب الأمثل على حيرة النظام الإيراني. لكن أي اتفاق جيد بالنسبة لطهران يجب أن يبقى فضفاضاً من الناحية التكنولوجية، ومحدوداً زمنياً، لذا كان إصرار الدبلوماسيين الإيرانيين منذ الكشف عن البرنامج النووي السري في عام 2002 على أن يستند أي اتفاق على معاهدة عدم الانتشار النووي، والتي -حسب قراءتهم لها- تمنح إيران حق إقامة برنامج نووي كبير. وفي مقابل التمتع بهذا الحق أبدت إيران استعدادها للموافقة على نظام للمراقبة في إطار النطاق المليء بالثغرات الذي تحدده المعاهدة. وبالطبع قابلت القوى الكبرى المطالب الإيرانية بالرفض، لاسيما أنها تأتي من نظام انتقده مجلس الأمن الدولي في أكثر من قرار وما زال يمنع المنظمة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إلى منشآته والالتقاء بعلمائه.

وفيما كان النظام الإيراني يصر على موقفه. بدأ التردد يعتري القوى الغربية. ومع التوقيع على خطة العمل المشتركة في 2013 بدأت حظوظ إيران في الصعود، فقد وافقت واشنطن على مطلب تخصيب اليورانيوم داخل إيران، كما وافقت في النهاية على أن هذا التخصيب يمكنه الوصول إلى المستوى الصناعي! ومنذ ذلك الوقت وطهران تحاول قضم ما تبقى من قيود، فيما تسعى الولايات المتحدة لاستعادة الخطوط الحمراء.

وبالنسبة للمرشد الأعلى يظل التنازل الأكبر الذي انتزعه مفاوضوه هو الاتفاق على فترة لانتهاء صلاحية الاتفاق، بحيث ستنتفي بعده كل القيود القانونية المفروضة على إيران، حتى إذا قررت تركيب مئات الآلاف من أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وبناء ما تريد من مفاعلات نووية، لن يستطيع الغرب فعل شيء. وحين تصل إيران إلى مرحلة العتبة النووية لن تكون هناك قيود وسينهار نظام التحقق لمنع إيران من امتلاك القنبلة، والأكثر من ذلك أنه في الوقت الذي يحث فيه النظام الإيراني الخطو نحو موقع نووي يحسد عليه، يمكنه أيضاً ضمان ألا يقود عدم احترامه لالتزاماته التقنية إلى تشديد العقوبات لأنها ستكون قد اختفت بموجب الاتفاق. ومن المستبعد جداً أن يتفق الأوروبيون، وبدرجة أقل الصين وروسيا، على إعادة فرض العقوبات الاقتصادية في حال ثبت خداع إيران للمجتمع الدولي. والحاصل أن إنجازات إيران اليوم يرجع فضلها بالأساس إلى مراوغة نظام ديني، رغم أنه متواضع من حيث مؤهلاته الفقهية، وفيما تشهد المنطقة سقوط عدد من الأنظمة الديكتاتورية، تواصل إيران مساعيها النووية دون مشاكل، لتمد نفوذها من الخليج إلى ضفاف المتوسط، ففي كل مرة يدخل فيها النظام مفاوضات ضعيفاً لا يلبث أن يخرج منها بفوائد ربما لم يخطط لها أصلا!

راي تقية*

*باحث في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا