• السبت 09 شوال 1439هـ - 23 يونيو 2018م

على الباغي تدور الدوائر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 10 يناير 2018

اندلعت الشرارة الأولى لانتفاضة الشعب الإيراني على سياسة نظام حكم لم يحقق لشعبه أياً من وعوده على مدى عقود، في مارس 2016، عندما رفع متظاهرون في طهران، يحتجون على تأخر رواتبهم وتدهور الأجور وزيادة كلفة المعيشة، لافتات تندد بالتدخل العسكري الإيراني في سوريا، ولم تكن مظاهرة سياسية، لكن العمال والموظفين الإيرانيين كتبوا شعارات ضد إنفاق أموال البلاد في سوريا بينما هم يموتون جوعاً. وفي مايو الماضي خرجت مظاهرات أمام البنك المركزي في طهران شكل غالبيتها إيرانيون عاديون فقدوا مدخراتهم في مصارف ومؤسسات مالية أفلست، وبعضها كان يعمل بطريقة «توظيف الأموال»، لكنها مؤسسات حكومية، منها مؤسسات تتبع ولو جزئياً إمبراطورية المرشد والحرس الثوري المالية، وعدم تحقق وعود تحسين الأحوال رغم الاتفاق النووي، في الوقت الذي بات فيه حجم رواتب كبار الموظفين المقربين من المرشد والرئيس فلكياً، وتضاعفت المليارات التي تنفق على حملات إيران المسلحة ودعمها لأذرعها المسلحة التي تنشر الإرهاب في العالم عن طريق 9 ميليشيات مسلحة منتشرة في أنحاء العالم.

ويتصاعد قمع السلطات للمظاهرات خشية تحولها إلى ثورة شاملة تؤدي إلى إسقاط النظام، واعتمدت قوات الأمن على تكتيكاتها التي استخدمتها ضد مظاهرات 2009. لكن المظاهرات الحالية تختلف عن تلك السابقة، التي اندلعت متهمة السلطات بتزوير نتائج الانتخابات لإنجاح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، المقرب من المرشد الأعلى علي خامنئي، حيث لجأت السلطة وقتها إلى حجة «شعبوية» تلقى قبولاً لدى الأغلبية في إيران، نتيجة حملات التعبئة المستمرة، وهي اتهام من وقفوا وراء مظاهرات 2009 بأنهم «عملاء» للقوى الغربية المعادية للثورة الخمينية والجمهورية الدينية في إيران. إلا أن المظاهرات الحالية كانت تتويجاً لعامين من الغضب الشعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تزداد سوءاً، رغم الوعود بالتحسن نتيجة الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى، وتوقعات رفع العقوبات على إيران. لذا أصبح من الصعب على السلطات الأمنية والسياسية في إيران اتهام المحتجين الآن بأنهم «نشطاء موالون للغرب»، لأنهم مواطنون إيرانيون عاديون غير قادرين على مواجهة تكاليف المعيشة، بينما يرون مليارات البلد تنفق من أجل تحقيق نفوذ عسكري خارجي لنشر الفوضى والإرهاب في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والعديد غيرها من الدول الإسلامية.

إنها بداية النهاية لعقود من القمع والترهيب للشعب الإيراني تحت مظلة الدين. لقد طفح الكيل ولم يعد للإيرانيين ما يمكن أن يخسروه بعد خسارتهم لكرامتهم وإنسانيتهم. وصدق شاعرنا الكبير أبو القاسم الشابي، رحمه الله، يوم قال: إذا الشعب يوماً أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر. وها هو القدر يستجيب للشعب الإيراني المسحوق، وها هو الليل ينجلي، وها هي القيود تنكسر ليبزغ عليهم قريباً فجر جديد، وعلى الباغي ستدور الدوائر.

نصّار وديع نصّار

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا