• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

على مرّ العصور.. ثقافة الموت أقوى من ثقافة الحب

الحب.. ونهاية التاريخ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مارس 2015

حنا عبود

من جملة الثقافات العملية ثقافتا الحياة والموت. ثقافة الحياة تدريب على الحذر والوقاية من التلوث المادي والمعنوي، والاهتمام بالجسد والروح، وخدمتهما بلا مبالغة تصل إلى عبادة الجسد، أو تأليه الروح. وهي الثقافة المناهضة لثقافة الموت، أو ثقافة القتل، ليس بمعنى التسليم بالقائم، بل بالتربية التي تزيل أسباب العنف، من غير أن تكون هناك مواجهة مباشرة. فثقافة الحياة تربية طويلة الأمد، بينما ثقافة الموت تدريب مباشر. وثقافة الموت- للأسف- هي الأقوى، وبخاصة في العصور الحديثة.

هناك تحوّل كبير جرى في القرن الرابع عشر، جعل ثقافة الموت تتخذ منحى جديداً. فقبل ذلك كانت ثقافة القتل تقوم على معرفة الخصم أو العدو، ثم تقدم له صورة مهددة للكيان، بحيث توحي أن المعركة مصيرية، وأن الانتصار يفتح كنوز الثروة، كما يفتح أبواب السماء، لمن يؤمن بالحياة الآخرة... وهي ثقافة الموت الكلاسيكية المعروفة. فعلى سبيل المثال كان الفارسي عند اليوناني مثال التوحش والاستبداد، وكان اليوناني عند الفارسي العدو الذي يريد الخلاص من إمبراطوريته ووجوده، فكل يعرف الآخر ويصوّر خطره ويجعل المعركة مصيرية. لندع ثقافة الموت الكلاسيكية، وننتقل إلى ثقافة الموت الحديثة في القرن الرابع عشر، عندما ظهرت الأسلحة النارية التي اخترعها الغرب واحتكرها وفرض بها سيطرته ولا يزال. ميزة الأسلحة النارية أنك لا ترى من تقتل، ولا يراك من يقتلك. لم يعد هناك بطل يخرج من بين الصفوف ويطلب مناجزاً من صفوف الأعداء، فتحسم المبارزة معركة وقودها مئات الجثث، بل ربما في بعض الأحيان آلاف الجثث. ومنذ القرن الرابع عشر صرنا نسمع بأسماء الجيوش، من دون أن يظهر بينهما أبطال كما ظهر أخيل عند الإغريق وهكتور عند الطرواديين. لم يعد همّ القتل تحقيق المجد والكرامة، بل تحقيق النصر الذي يضمن المصالح المادية أولاً.

لم يعد التدريب على ثقافة الموت بحاجة إلى أربعة عشر عاماً يقضيها الفارس في القلعة، بل صار التدريب يستغرق بضعة أشهر، ما دام على قاعدة حرق المكان قبل التقدم. المهم تدمير المكان مدينة كان أو قلعة أو متحفاً أو روضة أطفال... فالبراميل المتفجرة والصواريخ الضخمة عشواء، بل عمياء. مبادئ الفروسية انتهت، فلا إكرام لـ «ليدي» ولا مساعدة لضعيف ولا معونة لمتعثر ولا إسعاف لطفل... باختصار عليك أن تقتل من دون أن تعرف مَنْ تقتل. هذه هي الثقافة الحديثة للموت، أو للقتل. ولا نعتقد أن البشرية وصلت إلى أدنى من هذا الانحطاط في كل تاريخها.

نأسف مرة أخرى أن ثقافة الموت متغلبة على ثقافة الحياة في التاريخ البشري، وعند كل الشعوب. فتاريخ روما استغرق 800 سنة لم تهدأ الحروب فيها. وكان للرومان إله، وهو جانوس ذو الوجهين: رب البوابات والبدايات والقناطر والأعمال والأحداث... وكان له معبد من أكبر المعابد، وكان مكرماً أكثر من كبير الآلهة جوبيتر، وبوابات معبده تفتح أثناء الحروب، وتغلق أثناء السلم. فلم تغلق على مدى التاريخ الروماني سوى بضعة أيام فقط، حتى إن بعضهم يقول- ربما ساخراً- إن بوابات جانوس التي أغلقت في الأيام القليلة إنما كانت بسبب تقارير خاطئة، تصل في اليوم الأول ثم تصحح في اليوم الثاني، فلم تغلق البوابات يومين متتاليين.

لو كان لدينا معبد لجانوس، لما أغلقت بواباته حتى ليوم واحد، فلو نظرنا في التاريخ العالمي لكان تاريخ ثقافة الموت، فالقتل قائم في كل مكان، بأسماء مختلفة: من أجل الحرية، من أجل الاستقلال، من أجل نصرة الدين، من أجل نصرة القومية... حجج وذرائع ما أكثرها وما أسهلها! إنها بالضبط تلك المواد التي توضع لتسويغ ثقافة الموت.

الولادة الميثولوجية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف