• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

قراءة في محاولتي الغرب للتصالح مع ذاته

شدّ الرّحال إلى مدينة السلام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مارس 2015

خاض الغرب في تاريخه الحديث تجربتي مصالحة مع الذات في أعقاب أزمتين طاحنتين، جاءت الأولى طلبا للخروج من باراديغمات القرون الوسطى وسعيا للتحول نحو نموذج المجتمع الحديث، وذلك عقب ما عُرف بـ«الإصلاح» و«الإصلاح المضاد»، البروتستانتي والكاثوليكي، وما رافقهما من انتهاكات فظيعة. لِتلِي ذلك تجربة مصالحة ثانية أعقبت الحربين العالميتين بضراوتهما غير المعهودة، أعادت تشكيل الهوية المنفتحة بعدما داهمها الوهن جراء موجات الانغلاق القومي، خصوصا مع موجتي الفاشية والنازية. وقد عبّرت المصالحة في شكلها الأول والثاني عن مسار تاريخي تطوري، هدف إلى بناء المجتمع المدني في أنقى تمثلاته الديمقراطية والمدنية.

لم يأت البحث عن صيغ الوئام الاجتماعي والتعايش السلمي في الغرب الحديث، ضمن مسار متدرج وسلس؛ بل جاء في أعقاب مسارٍ وعرٍ مشحون بالاضطرابات والعنف والتهجير والقتل، ران ردحا طويلا حتى خُيِّل للناس ألا مخرج من تلك الأوضاع. ولعل أبرز المحطات الدامية ما يُعرَف في التاريخ بحرب الثلاثين عاما (1618-1648)، التي انجرفت إليها العديد من الدول الأوروبية. وشكّل الصراع أثناءها على الدين عمق الأزمة، بعد أن توزّع دَورُ وكلائه بين أمرين: إضفاء الشرعية على الملَكيات القائمة، ودعم أسس الدولة الثيوقراطية المحكومة بالنظام الهيروقراطي، أي الخاضعة لسلطة رجال الدين.

واللافت في تاريخ الدين في الغرب أنه غالبا ما شكّلَ بحثُ المؤسسة الدينية عن ملاذ في السلطة، وتحت السلطة، ورطةً وتفريطاً في استقلاليتها، ودفع باتجاه مغامرة دنيوية غير مأمونة العواقب. فعلى سبيل المثال حين واجه البابا ليون الثالث انتفاضة شعبية أجبرته على الفرار من روما، كان الفضل لشارلمان في إعادته إلى عرشه. حينها لم يجد البابا سبيلا إلى إسداء الشكر له سوى بتتويجه إمبراطورا، أثناء مشاركته في قداس أعياد الميلاد في كاتدرائية القديس بطرس في روما. فقد مثّل إغواء السلطة للكنيسة تجربة عسيرة، اقتفت أثناءها خطى السلطة الزمنية، استلهاما لما يرد في إنجيل لوقا: «يا رب ها هنا سيفان». وهو ما ولَّد مفاهيم على غرار «الإمبراطورية الرومانية المقدسة»، و«القيصرية البابوية»، و»نظرية السيفين في غمد واحد»، أي الاستحواذ على السلطتين الزمنية الروحية.

المجتمع المنفتح

في خضم تلك الأوضاع مثّل ظهور البروتستانتية أبرز لحظات التحدي لكنيسة روما، وترتّب عن ذلك عنف اجتماعي وفتنة استمرت طويلا، ولم تتجه الأمور نحو التسوية سوى في أعقاب صلح أوغسبورغ بين الدول المتنازعة. تمخضت الأوضاع حينها على قاعدة (cuius regio eius religio)، أي أن كل حاكم يقرّ دين رعاياه بمعزل عمّا تمليه عليه كنيسة روما، وهو ما سيخلّفُ تحولات جذرية سوف تغير المشهد الديني التقليدي الذي خيم قرونا على العقول والضمائر. تميزت الأوضاع عقب قبول البروتستانت المحتجين على الخارطة الدينية، بتحولات جوهرية: في المجال التشريعي، تولّد مفهوم سيادة الدول، أو بشكل أدق سيادة الملوك على ممالكهم؛ وعلى المستوى الفعلي لممارسة السلطة، دبّت روح جديدة في الملكيات المطلَقَة باتجاه التحول نحو الملكيات المتنوّرة؛ وبالنهاية في المجال الديني، خوّلت الأوضاع للملوك إمكانية تحديد دين رعاياهم دون الرجوع في ذلك إلى كنيسة روما، مع ضمان التسامح لمن يدينون بأديان أخرى.

الكنيسة وحقوق الإنسان ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف