• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

وَرْدةُ الحبّ في زمَن الحَرْب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مارس 2015

محمد بنيـس

(1)

زمن الكراهية والبغضاء والعدوان، زمن الحرب، زمننا اليومَ، باختصار، يبعد كل واحد منا عن التفكير في الحياة، بما هي مرصودة للمحبة والمودة، أي للحب والعشق والهوى. هل هناك جحيم أشد إيلاماً وقبحاً من وضع كهذا؟ نحن الذين من المفروض أننا جئنا لنعيش حياتنا، لنفرح ونحتفي بها، لنملأها بالجمال والحرية، نجد أنفسنا مشدودين بحبال الحقد الذي لا يترك في القلب متسعاً لوردة الحب. فكيف للحياة أن تكون حياة بدون محبة؟ وكيف لها أن تدوم بدون عشق وحب؟ بل كيف يمكن أن نستمر في البقاء على قيد الحياة ونحن غارقون في كراهية سوَانا؟

أسئلة بصيغة تبدو ساذجة، بل ربما هي أبعد في الدلالة على السذاجة. زمننا المطوّق بالنيران من جهاته الأربعة، الغارق في دماء القتلى، بأسماء متعددة، يرغمنا على أن ندير وجوهنا عن كل ما يضيء، بأشعة الحياة والحيوي فينا وفي العالم من حولنا. فمن أين للتفكير في الحب والمحبة أن يتسرب إلى النفوس؟ وكيف نصعد إلى زمن يجرؤ على إشهار حبه وسط الأشلاء والندب والخراب؟ انظرْ إلى نفسك واشهدْ عليها، تقول لي نفسي. لغة النفس هذه لغة التحريض على الالتفات إلى ما حولنا، في كل مكان، أو، أكثر من ذلك، إلى أزمنة وحقب متباينة، اصطدمت فيها شعوب بتحوّل الإنسان إلى عدو للإنسان. باسم الحقد حيناً، باسم الدين وباسم القومية حيناً، وباسم الهوية، أو باسم ما لا اسم له في أحيان عديدة.

(2)

هذه الأسئلة تعود اليومَ لتهمز أعماقي الباردة، في زمن الذين يرفعون رايات الكراهية والبغضاء والعدوان. سوداء راياتهم. يرفعونها ويلوحون بها فوق سيارات مصفحة. الموتُ أوْلى من الحياة، يعلنون. وفي كل آن يهيئون مشاهد ذبح الأبرياء. هذه الأسئلة، التي تعود اليوم، هي الأسئلة نفسها التي كانت في بداية التسعينيات من القرن الماضي قد تأججت في دواخلي. أقصد ببداية التسعينيات تلك اللحظة المفجعة، التي مرت فيها العراق بحرب تحمل اسم «عاصفة الصحراء». بين يناير وفبراير 1991. ولم نعد نتذكر هذه الحرب، رغم أنها قريبة العهد. حروب لا تتوقف، وفي كل مرة فيها ما يفاجئ، فلا نعود نتذكر. فقدنا الذاكرة التي محَقتْها الحروب المتلاحقة بسرعة الزلزال.

في تلك اللحظة، قبل ما يقرب من خمس وعشرين سنة، كنت يائساً، كما أنا اليوم. وعلى حين غرة، جاء ما يرفعني إلى العلياء. التفكير في كتاب عن الحب. نزلت الفكرة بذرة، بذرة. هاتف من لندن، ضياء العزاوي يكلمني. يقول لي إن الحرب دمرت العراق وشعبه، وفي الجهة الأخرى من العالم، نعاين إحياء الذكرى الخمسمائة لسقوط غرناطة، وطرد المسلمين واليهود من الأندلس. فماذا نقول نحن معاً للعالم؟ سؤال هو الانعتاق من عذاب لا يزول. واتفقنا بسرعة على كتاب ابن حزم «طوق الحمامة»، أعيد كتابته برؤية حديثة، ويقوم هو برسم أعمال فنية. ثم أفضى التأمل إلى وضع كتاب شعري فني، نستحضر فيه فن صناعة الكتاب عند العرب القدماء. تلك كانت عبارة ضياء، وكذلك كان التفكير في شأن كتاب عن الحب في زمن الحرب، والمحبة في عهد الكراهية. كل منا توجّه إلى العمل. وبعد شهور أولى بدأ مشروع الكتاب يتبلور، بصيغة لم ترد من قبل على خاطريْنا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف