• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

خارج البساطة ليس هناك من عمق

ثقافة المحبّة.. صعبة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مارس 2015

أحمد فرحات

إذا كان القرن العشرون حافلاً بالحروب والانقلابات الإمبراطورية وتفاقم المجاعات ومعسكرات الموت وكرنفالات الدم المتنقلة (بخاصة في الغرب الأوروبي وفي المنطقة العربية التي شهدت بالقوة والبطش، والمخاتلة الاستعمارية، قيام الكيان الإسرائيلي الغاصب للحق العربي)، فإن القرن الحادي والعشرين استمر بها، وعلى نحو أكثر درامية ومأسوية وفحشاً وتوحشاً، وبدا أن البشرية «المتحضّرة» و«المتطوّرة» لم تفشل في التمهيد لتحقيق مشروع السلم العالمي الشامل، وقطع دابر الحروب بشكل نهائي فقط، وإنما تبيّن عقم الرهان على أي من السياسات الحداثوية الجدّية لهؤلاء المتحكّمين بالعالم، خصوصاً لجهة جبه الأخطار الكبرى التي تُحيق بكوكب الأرض ومن عليه. وكذلك لجهة إيلاء الجهد العلمي أولوية الأولويات المطلوبة لمزيد من تفكيك شيفرات أسرار النظام الشمسي، وما بعده من منظومات كوكبية مُغلقة علينا في هذا الفضاء الكوني الرحيب.

لست أشير هنا إلى مرحلة سياسية سلطوية غربيّة بعينها، وإنما إلى نظام سياسي غربي كلّياني بدأت مفاعيله تترى بسياسات مغايرة، بل مناقضة تماماً، لما كان تمّ الإفصاح عنه منذ القرن الثامن عشر، وُسمّي بـ»عصر الأنوار»، والذي من خصائصه تنوير العقول من الظلاميات والجهل والتبعية للآخرين، ولاحقاً احترام حريات الشعوب، واستقلالها، وحقها في سياديّة أوطانها، فضلاً عن احترام آليات تطورها التنموي والتحديثي وبلوغها، وإن بالتدريج، قمة نماذج دول القانون والعدالة الاجتماعية والدمقرطة وتداول السلطة...إلخ.

وعلى ما يبدو، فإننا نحن العرب، ودون غيرنا من سائر شعوب الأرض، بتنا ندفع الثمن الباهظ لسياسات هذا الغرب الكلّياني الخاطئة، خصوصاً في الحقبة الأخيرة من هذا الزمن، ندفعها خراباً ودماراً وبؤساً وخسفاً وضياع مستقبل وفقدان هوية، وإلا ما معنى أن تقتصر أحطّ برامج الحروب وسفك الدماء، في العالم كله تقريباً، على ناس وجغرافيا بلداننا دون غيرها؟. ما معنى أن يستغل الغرب الكلّياني «التنويري» مكامن الضعف فينا إلى هذا الحد من سياسات اللامعقول، فيتحالف، مثلاً، مع أكثر الفئات تخلفاً وظلامية وجهلاً وتطرفاً دموياً بين ظهرانينا، ويستخدمها سلاحاً فتاكاً لدكدكة مجتمعاتنا وتفكيكها وتقسيمها وتذريرها وردّها إلى مراحل ما قبل نشوء الدول والسياسات في العالم؟ (إقرأ كتاب «خيارات صعبة» لهيلاري كلينتون).

قد يقول قائل إننا بأنفسنا، عرباً ومسلمين، نتحمّل مسؤولية ما يجري لنا الآن، ونتائج كل هذا المآل الفادح الذي نتخبّط فيه، كوننا تركنا أبوابنا مشرّعة، ومنذ سنوات، للقاصي والداني كي ينفذ بسهولة إلينا، ويلعب بمقدّراتنا، ويشوه قيمنا، وتاريخنا، وديننا، وحضارتنا.. والأنكى من هذا كله، أن يستخدم دمنا سلاحاً لتنفيذ مآربه، متحكّماً هو بلعبة الاقتتال الأهلي في ما بيننا، ومنعنا من وقف آلة الموت إلا بإرادته.

هذا كله صحيح ولا شك. لكن في المقابل، من الخداع الفكري أن نزعم أيضاً أن البشرية اليوم تتقدم في مسارها الخيطي الزمني لأجل الارتقاء بالإنسان أينما كان على وجه الأرض، واعتباره رمزاً سامياً بات يعفّ عن حروب الغرائز والتوحش والعصبيات الدينية والقومية والإيديولوجية.. إلخ، وأنه بات لزاماً عليه، وقطعاً مع ماضيه الدموي الرهيب والمنفلت من أية ضوابط، أن يعيش في وسط ثقافة المحبة والتسامح والاعتراف بالآخر، واعتبار «كل إنسان هو نفسه الإنسان الآخر، من حيث الجوهر الروحي الطهراني والعقلاني المنفتح»، كما يقول توما الأكويني، فيلسوف الأخلاق والمحبة بين البشر، والذي كان يحثّ على قيام نوع من السياسة الروحانية القارّة، لأنه، في النتيجة، لا قيمة لمحبة راسخة لا تصبح أداة من أدوات صنع التاريخ.

المحبّة أقوى من نقائضها ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف