• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

ميكافيللي يقصيه وسانت أوكزبيري يدنيه

الآخر محبوباً.. ومبغوضاً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مارس 2015

حسونة المصباحي

في مقال طريف وعميق نشرته صحيفة «أمريكان إنترست»، قام الكتاب الأميركي يوكوب غريغيل بعقد مقارنة بين كتابين يحظيان بشهرة عالميّة واسعة، أعني بذلك كتاب «الأمير» لميكافيللي، و«الأمير الصغير» لسانت أوكزبيري. وقد تركزّت المقارنة على عنصرين أساسيين متمثلين في رفض الآخر عند الأول، وحبّ الآخر عند الثاني. لكن قبل الفصل في هذين العنصرين، يجدر بنا أن نشير إلى أن الكاتبين عاشا في فترتين متباعدتين ومختلفتين.

عاش ميكافيللي بين القرن الخامس عشر والسادس عشر. وهي فترة تميّزت بتقلبات وبعواصف سياسية خطيرة على جميع المستويات تخللتها معارك وحروب طويلة. وكانت بدايتها الغزو الفرنسي لإيطاليا والذي تسبب في هروب عائلة «الميديسيس» الحاكمة من فلورنسا. عندئذ تأسس نظام جمهوري يعتمد على مجلس للمستشارين. وقد اختير ميكافيللي كاتبا خاصا للمجلس المذكور ليكون قريبا من مراكز القرارات الكبرى، وليعيش تجارب مهمة كشفت له عن خفايا الحكم وأسراره وتشعباته. وعند عودة عائلة «الميديسيس» إلى السلطة عام 1512، وجد ميكافيللي نفسه مجبرا على مغادرة فلورنسا ليعيش منفى داخليا على بعد عشرين كيلومترا منها. وفي عزلته انكبّ على تأليف كتاب «الأمير» الذي سيصبح الكتاب المفضل لكبار الشخصيات السياسية في جميع أنحاء العالم، ملوكا وأمراء ورؤساء، وزعماء ثورات، ومستشارين ودبلوماسيين، وخبراء في الجوسسة والاستخبارات.

أما سانت أوكزبيري فقد عاش في النصف الأول من القرن العشرين، وكان روائيا وطيارا حربيا ماهرا وشجاعا. وخلال الحرب العالمية الثانية سقطت طائرته في الصحراء فاستوحى من التجربة المريرة التي عاشها آنذاك موضوع كتابه «الأمير الصغير» الذي ألفه للصغار غير أن الكبار وجدوا فيه ما يعجبهم ويروق لهم ويعلمهم كيف يواجهون مصاعب الحياة. وبعد مرور سنة واحدة على صدور الكتاب، اختفت طائرة سانت أوكزبيري فوق البحر الأبيض المتوسط، وظلّ موته لغزا إلى حد هذه الساعة.

ويقول يوكوب غريغيل أن ميكافيللي كان قد أتقن خلال فترة توليه منصب الكاتب الخاص لمجلس المستشارين مراقبة سلوك الضعفاء والأقوياء في السلطة سواء كانوا من الرجال أو من النساء. كما تدرب جيدا على فن المؤامرات والألاعيب السياسية التي تدبر في الخفاء. في الآن نفسه اختبر ردود فعل الجماهير على القرارات التي تتخذ بشأنها في جميع المجالات. لذلك أراد من خلال كتاب «الأمير» أن يبلور رؤيته الفلسفية المستخلصة من تجاربه للنظام السياسي ولدواليبه ومرتكزاته. وربما أراد سانت أوكزبيري أن يكون كتاب «الأمير الصغير» مرشدا للناس صغارا كانوا أم كبارا في أوقات المحن، والأزمات الكبيرة، والضياع الشبيه بضياعه هو في الصحراء بعد سقوط طائرته.

فروق

هناك فروق بين الكتابين. ففي «الأمير»، جعل ميكافيللي الخوف من الآخر عنصرا أساسيا في نظام الحكم. لذا على هذا الأخير أن يعرف كيف يتعامل مع هذا الخوف، وكيف يستخدمه للمحافظة على بقائه، وعلى إبطال مفعوله في الوقت المناسب. أما سانت أوكزبيري فقد اعتبر أن حبّ الآخر كفيل بأن يجنبنا التصدع والشقاق داخل الأسرة، أو داخل المجتمع. وفي حين كان ميكافيللي يعمل دائما على إبعاد الآخر، وصده، والحذر منه، كان سانت أوكزبيري يسعى جاهدا للاقتراب من الآخر واحتضانه، واختياره رفيقا في دروب الحياة الوعرة والمتعرجة. والأمير في كتاب ميكافيللي يتمسّك بالخوف من الآخر كعنصر أساسيّ في نظام الحكم من دون التفكير في العواقب التي يمكن أن تنجم عن ذلك. وهو يسعى دائما إلى المحافظة على وجاهته، وعلى نظام حكمه وهو غافل تماما عن قوانين التاريخ التي تؤكد على أنه لا شيء يبقى، ولا شيء يدوم، وأنه «لو دامت لغيرك لما آلت إليك». مقابل هذا، يرى «الأمير الصغير» أن حبّ الآخر يجعل المجتمع متماسكا وقويا، مجنبا اياه كل ما يمكن أن يعجل بسقوط وانهيار حلم «المدينة الفاضلة» التي يطمح اليها. وعند «أمير» ميكافيللي، نحن نعاين أن الصراع من أجل السلطة، والتنافس المرير بهدف الاحتفاظ بامتيازاتها يجعل الحكام ينظرون إلى الآخرين، وحتى إلى أقرب الناس إليهم وكأنهم أعداء شرسون يتحينون الفرصة للانقضاض عليهم، وقتلهم أو تشريدهم، أو التمثيل بهم أمام الجموع. لذلك هم يمضون الوقت في التخطيط للإيقاع بكل من يعتقدون أنه يمثل خطرا عليهم وعلى نظام حكمهم. من هنا الحروب الظاهرة والخفية، بين المجموعات والأفراد، والمؤامرات التي تحاك في الخفاء للإطاحة بهذا أو بذاك. لذلك يمكن القول بأن «الآخرين هم الجحيم» كما هو الحال في مسرحية سارتر الشهيرة التي كتبها في نفس السنة التي اختفت فيها طائرة سانت أوكزبيري فوق البحر الأبيض المتوسط، أي 1943. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف