• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

عربياً.. هل تحل ثقافة المحبة والتسامح محل ثقافة التعصب؟

الكراهية تقتل.. المحبّة تحيي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مارس 2015

هاشم صالح

بادئ ذي بدء ينبغي القول بأن داعش حشرتنا في الزاوية وأحرجتنا أمام العالم كله. فأفعالها دمرتنا وشوهت سمعتنا لعشرات السنين القادمة. ولن نستطيع أن نرفع رأسنا في أي محفل عالمي بعد اليوم ما لم ننقذ قرآننا وتراثنا من براثنها. وعندما أقول العالم فلا أقصد الغرب فقط وإنما الشرق الأقصى وأممه الكبرى من يابانيين وصينيين وهنود الخ.. كلهم أصبحوا خائفين من داعش أو مشمئزين أو مرعوبين. كلهم يطرحون عليك نفس السؤال: يا أخي هل حقا أن دينكم يدعو إلى ذلك؟ هل حقا أنه يقبل بقطع الرؤوس بمثل هذه السهولة؟ هل حقا أنه قائم على الكراهية والعنف؟ بعد أن ذبح الداعشيون صحفيين يابانيين أصبح الشعب الياباني أو نخبه المثقفة تطرح مثل هذه الأسئلة. ولذا فان العالم كله شرقا وغربا أصبح يطالبنا بدفع فاتورة داعش. وهي باهظة التكاليف!

لنتفق على الأمور منذ البداية: ثقافة التسامح والمحبة لن تنتصر على ثقافة التعصب والكراهية إن لم يحصل إصلاح ديني أو تنوير فلسفي في العالم العربي أو الاثنان معا. هذا تحصيل حاصل. داعش نتيجة ثقافة دينية ما أو بالأحرى لا ثقافة. إنها نتيجة تأويل خاطئ وإرهابي لنصوصنا المقدسة الكبرى. وهو تأويل حرفي مبتسر، أو جامد متحجر، أو سطحي جاهل. لولا ذلك لما امتلكت كل هذه الجرأة على القتل والذبح. داعش ظهرها محمي ومدعوم من قبل جيش من مشائخ العصور الوسطى والظلام الذين يفتون لها. إنها مدعومة من قبل فتاوى تكفيرية إرهابية تخلع المشروعية الإلهية على كل ما تفعله. صحيح أنها تلوي عنق النصوص بشكل اعتباطي تعسفي وتقوّلها ما لا تريد قوله. صحيح أنها تنزعها من سياقها التاريخي كما فعلت مع نصوص ابن تيمية ذاته الذي كان على غلوه وتشدده أكثر دقة وحيطة من مشائخ السلفية الحالية. وكان أكثر علماً وفهماً بما لا يقاس.

عندما كان العرب..

على أي حال تبقى المشكلة قائمة. ويبقى السؤال المركزي هو ذاته: هل ما تفعله داعش هو الإسلام؟ إذا كان الأمر كذلك فعلى الدنيا السلام. هذا يعني أنه لا حل ولا خلاص حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولكننا نعلم أنه لا ينبغي الخلط بين الإسلام/ وتفسير الجهلة للإسلام. فهما شيئان مختلفان على عكس ما يتوهم معظم البشر. ثم إن الدين حمال أوجه ولا يمكن حصره بتفسير واحد وبخاصة إذا كان ظلاميا تعصبيا دمويا كالتفسير الداعشي. أحيانا أسمعهم يسألون: هل الإسلام هو المشكلة؟ وأنا أقول: لا، ليس الإسلام هو المشكلة وانما التفسير الخاطئ والجاهل له هو المشكلة. فالإسلام دين كبير، بل ودين عالمي يخترق القارات والبلدان. وربما هو الآن أكبر دين في العالم من حيث العدد. وبالتالي فمن الظلم الفادح أن نعتبر داعش بمثابة الممثل الوحيد له. الإسلام دين صنع الحضارات وقدم للبشرية إنجازات لا تقدر بثمن في كافة المجالات العلمية والفلسفية والإنسانية. الإسلام كان سبب نهضة أوروبا: أقصد فلاسفة الإسلام وعلماء الإسلام في الفيزياء والكيمياء والطب والجبر والبصريات والفلك الخ.. والباحث الفرنسي الشهير آلان دوليبيرا اعترف بأن ابن رشد هو (الأب الروحي لأوروبا). والباحث المذكور ليس نكرة. انه يحتل كرسي الفلسفة في (الكوليج دو فرانس) التي هي أعلى من السوربون. علاوة على ذلك فهناك قيم روحية وأخلاقية عليا في الإسلام ولكن من يركز عليها؟ لا أحد يهتم بها أو لا أحد يراها بعد أن غطت الصفحة السوداء على الصفحة البيضاء من تراثنا. الجميع أصبحوا يعتقدون بأن الإسلام هو هكذا: جزّ الرقاب. نقطة على السطر.

ولذا ينبغي أن ننخرط في المهمة التالية: تبيان الفرق بين الإسلام الحضاري/ والإسلام الظلامي. أول عمل ينبغي القيام به لمواجهة داعش هو تسليط الأضواء على الوجه الآخر، الوجه المشرق للإسلام. ولكن المشكلة هي أن هذا الوجه المشرق محجوب عنا أو عن أنظارنا منذ زمن طويل ولا وجود له تقريبا في برامج التعليم. أين هو إسلام المعتزلة، أو إسلام الفلاسفة، أو إسلام المتصوفة، أو إسلام كبار الأدباء والشعراء والمفكرين؟ من يتجرأ على الاستشهاد بابن سينا أو ابن رشد أو الفارابي في كليات الشريعة أو المعاهد الدينية التقليدية؟ من يدرس مادة الفلسفة القديمة والمعاصرة في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية؟ ما يدرسونه للأطفال الصغار شيء مرعب. انهم يدجنونهم تدجينا بالخرافات ويحشون رؤوسهم الطرية بكره الآخر وتكفيره ولعنه. انهم يقدمون لهم صورة مبتسرة، مشوهة عن الإسلام ويقولون لهم: هذا هو الإسلام. انظروا المدارس الطالبانية. وهي تربية دينية لا مكانة للعقل فيها. نقول ذلك على الرغم من أن القرآن الكريم يدعو الى استخدام العقل مرارا وتكرارا. (أفلا تعقلون؟ أفلا تتفكرون؟ صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يفقهون)..الخ، الخ..

ابن تيمية ليس كل الإسلام! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف