• الجمعة 27 جمادى الأولى 1438هـ - 24 فبراير 2017م

نهايتها «جنون» طه حسين و«انتحار» الطيب صالح

الرحلة الفاشلة إلى الغرب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 مارس 2014

حسّونة المصباحي

في مخيال العرب القدماء، يرمز الغرب إلى ذلك المكان القصيّ، الكثيف العتمة. لذا جعلوه في لغتهم مرادفا للوحشة والمنفى في درجاته المؤلمة والقصوى فسمّوه: «الغربة»، وهي حالة الإنسان الذي يجبر على مغادرة وطنه ليعيش في مكان ناء تنكره نفسه، وفيه لا يعرف للطمأنينة وللسعادة سبيلا. فلكأنه لم ينف فقط من وطنه، وإنّما من الحياة ذاتها!. وربّما لهذا السبب أظهر العرب منذ قديم الزمان نفورا من الغرب.

خلال الفتوحات الإسلاميّة الكبرى، أوغل العرب شرقاً، غير أنهم كرهوا أن يتوجّهوا غربا. وعندما حاولوا أن يفعلوا ذلك توقفوا في الأندلس، وفي صقليّة لتشابه مناخيهما مع مناخهم. ولم يكن ذلك عائدا فقط إلى عدم توفر القدرة العسكريّة لمثل تلك المغامرة، وإنما لأنهم كانوا يخشون أن تبتلعهم ظلمة الغرب التي تبتلع الشمس في كلّ يوم.

وعندما استقرّ أمر العرب، وعظم نفوذهم بعد انتشار الإسلام، ظلّ النفور من الغرب قائماً. وعند أهل الفلسفة والتصوف، كان الغرب على الصورة التي ذكرنا. فها هو ابن عربي يترك الأندلس إلى مراكش. وهناك يرى حلماً، ويسمع صوتا يحثّه على الاتجاه شرقا حيث «النّور والحكمة». وهو يمضي إلى بلاد الشرق فلا يعود منها أبدا. وعندما شعر ابن خلدون الذي أمضى شطرا هاما من حياته في بلاد المغرب والأندلس، أن الانهيار بات وشيكا، اختار السفر الى المشرق وقد قارب سنّ الخمسين، باحثا عمّا يمكن أن يصلح حال المسلمين، ويعيد لهم هيبتهم ونفوذهم الذي كان قد بدأ يضعف، وتضيق مساحاته، وظلّ هناك إلى أن توفي في القاهرة عام 1406.

منظور تاريخي

ويتحدث ابن فضلان عن رحلة إلى روسيا تمّت عام 921 (ابن فضلان قاض من بغداد أرسله أمير المؤمنين المقتدر بالله ضمن وفد إلى ملك الروس طالبا منه التعرف على شرائع الإسلام) واصفاً أهوال الرحلة الشاقّة الطويلة راسما لنا بدقّة متناهية صورة مرعبة عن الأقاليم التي مرّ بها، وعن الأقوام غريبي الأشكال والطبائع الذين اعترضوا طريقه. وفي كتب الرحالة العرب الذين اتجهوا شرقا، نحن نشعر أن صاحب الرحلة يحاول دائما، وحتى عندما يواجه المتاعب والمصاعب، أن يمتعنا. وما يصفه من بشر، ومن مناظر طبيعية، ومن أحداث يكون بمثابة «الدعوة إلى السفر» بحسب بودلير. أما ابن فضلان فيختلف عنهم إذ انه يجعلنا ونحن نقرأ تفاصيل رحلته الشاقة نعزف عن السفر خصوصا باتجاه الغرب!.

وبعد أن دمّر المغول بغداد (1258)، وأحرقوا مكتباتها الثمينة، وقصورها الفاخرة، وحدائقها الجميلة، عاش العرب قرونا من الانحطاط والجهل والعزلة، وخلالها كانوا منقطعين انقطاعا كليّا عمّا كان يحدث في العالم. ولم يستيقظوا من سباتهم إلاّ على دويّ مدافع نابليون بونابرت أثناء حملته الشهيرة على مصر في عام 1798. بعد الحملة المذكورة، أرسلت مصر بعض أبنائها إلى فرنسا ضمن ما سمّي في ذلك الوقت بـ «البعثات العلميّة». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف