• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

رمت جمرة السؤال في بحر عجمان.. ومضَتْ

سلمى مطر سيف... الرواية المبتورة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 مارس 2014

إبراهيم الملا

يمارس الغياب عنفا صريحا عندما لا يستطيع الآخرون أو الأشباه أن يحتلّوا هذا الغياب أو يزيحوه، فهناك وفي تلك الأمكنة الفارغة والرحبة، لا صوت يخترق الروح، رغم كل الضجيج الدائخ، والجَلَبة المزيّفة. هناك في الفراغات الصبورة والطيّعة، يصبح الغياب وتدا وعلامة وبرهانا، وكأنه يطرد العدم المتكاثر حوله، أو كأنه يخيف النسيان، بما ينفي النسيان ذاته. خرجت القاصة والروائية الإماراتية سلمى مطر سيف مثل رائحة النخل في قيظ الثمانينات، كي تشعل ساحل عجمان بسنا برق، وبضاعة سحر لم تنفد ودائعها حتى الآن، رغم كل الهجرات الضالة، ورغم هذا اليباس الطاعن في حنجرة البحر. تغيب سلمى أو مريم أبو شهاب ــ كما اسمها الحقيقي ــ عن الكتابة والاسم والصفة، ويكتسي غيابها أسىً من فرط شموله لا يُحَسّ: فلا قياس لجرحه، ولا وزن لقسوته، وكأن غيابها أثرٌ ينافس الأصل والتواجد، أو ذاكرة تتفوق على التجسّد والمثول.

اختارت (سلمى) اسمها كما تختار أسماء الشخوص المنثورة في قصصها، فكانت محور هذه القصص أو القامات الهلامية التي كستها بعد ذلك كل الأطياف والظلال والحدوس، أسماء مثل (عشبة) و(دهمة) و(غريبة) و(حمامة)، فهي تختارها كأنها تقيم فيها، وتنثر حولها غبار الحناء والذهب، وبخور السرد والقول والحكاية. وهي معها في مجال اشتباك وتداخل وحلول، فلا أنداد ولا أضداد ولا منافسين في العلاقة بين (سلمى) وبين شخصياتها المأزومة والعُصابية والمفتّتة، فهي شخصيات لا تبحث عن فكاك جسدي أو خلاص نفسي، بقدر ما تبحث عن تفسير للعذاب (السيزيفي) ولضربات القدر المهلكة والعبثية والعشوائية، ومن دون ذنب أو جريرة، في أفق العرف الاجتماعي المعطّل، وفي صكوك الأذى لكهنوت المزايدين على قدسية الأنثى.

ولعل في الصمت المبجّل الذي اختارته (سلمى) طوعا أو كرها، يبرز هذا الاحتجاج الغامض تجاه النهايات المغلقة، وتجاه العالم الذي لم يعد جديرا حتى بالقلق، العالم الذي أخذ شكله الأفقي المسطح، واستوى على ذلك!

فلم تعد القيعان مغرية، ولا الحفر الأنيق مجديا، حتى الخيال أصيب بتلك العاهة الأبدية: الانصياع للقوالب والانحناء للشرط، كما أن المقاومة النبيلة للمبدع أصبحت بضاعة للشفاهة والاجترار والتهويم لا أكثر.

ظهر اسم (سلمى مطر سيف) في الساحة الأدبية بعجمان والإمارات منتصف الثمانينات، متوهجا مثل وشاح من ضوء، وكانت القاعدة في تلك الفترة أن يتحول الضوء إلى ألق فائض ومؤثر وممتد، كانت الفتنة مشاعة، وكانت الأنامل تمارس حريقها الرائع في صقيع الكتابة دون أثر للرماد، ودون تعال وأستاذية وتشويه للحساسية الإبداعية المسكونة في النقاء، والذاهبة للمشهد الثقافي بعافية مذهلة، وادّعاء أقلّ. وحتى أواسط التسعينات، كان هذا الشغف الجارف والخلّاق منقادا لبوصلة الكتابة حتى آخر الحوافّ، وأكثرها تماساّ مع رعشة المغامرة، واستشراف الثمالة والخطر.

سيرة الشرخ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف