• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

معظم الدول العربية الآن لا يموت الناس فيها ولا يحيون.. والناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد

منا من ينتحر ومنا من ينتظر.. وما تغني النذر!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 04 مارس 2015

لا أحد يقتل العرب، ولكنهم يقتلون أنفسهم.. لا أحد يتآمر على العرب ولكنهم يتآمرون على أنفسهم. العالم ليس مشغولاً ولا معنياً بالتآمر علينا لأننا نؤدي المهمة باقتدار ونفاجئ الذين يفكرون في التآمر علينا بأننا نقدم لهم أضعاف ما يطلبون وأضعاف ما يحلمون. وحين تستمع أو تقرأ للمحللين أو الفلكيين وللمنجمين السياسيين العرب لا ترى إلا عنواناً واحداً يجمع كل التحليلات وهو عنوان (التآمر). لا عمل للشرق أو الغرب أو إسرائيل إلا التآمر علينا.. ودائماً يربطون فكرة المؤامرة من الخارج بعملاء من الداخل.. والمؤامرة من الخارج لا وجود لها ولكن عملاء الداخل موجودون فعلاً، وهم عملاء متطوعون ولم يجندهم أحد. وهم عملاء للشيطان ضد الأمة وليسوا عملاء لأعداء وهميين من خارجها اخترعناهم وصدقنا وجودهم. والعقل العربي هو عقل اللامعقول، وهو عقل خرافي يميل إلى التفسير الخرافي لكل الأحداث. وهناك دائماً قوى خفية وأصابع خفية وعفاريت ليس لها مهمة في الحياة سوى التآمر على الأمة.

والعرب نقلوا الخرافة من تفاصيل حياتهم اليومية العادية إلى السياسة، وهذا هو ما فعله الخطاب الديني برؤوسنا، فهو خطاب خرافي يربط كل شيء بأوهام وخيالات وهلاوس وضلالات. وصار التحليل السياسي مثل التحليل الديني قائماً على الخرافة والهلاوس. نجح الإرهابيون وعلى رأسهم «الإخوان» في جعل التفسير الخرافي أو التآمر أساس عمل العقل الجمعي العربي، فانتشر ما يسمى العلاج بالقرآن وإخراج الجن من الأجساد والرقية التي يسمونها شرعية وذاعت الأحجية والتمائم والتعاويذ والسحر والعين والحسد. وربط هؤلاء ربطاً تاماً ومهيناً بين الدين والخرافة. وساهمت مواقع التفاصل الاجتماعي في نشر منهج الخرافة والهلاوس والضلالات في السياسة والدين والثقافة والفنون. وثقافة ومنهج الخرافة يجدان صدى كبيراً لدى النساء، لذلك دخل النساء في الإرهاب والتطرف أفواجاً. لأن عقل المرأة مضبوط على الخرافة والهلاوس والخزعبلات. وقد تم غزو واختراق الأمة من أهم حصونها وهو حصن النساء الذي عندما سقط في قبضة الإرهاب سقطت الأمة كلها.

ومواقع التفاصل الاجتماعي أكثر جمهورها ومرتاديها من النساء، لذلك صارت هذه المواقع ساحة للسطحية والتفاهة والخرافات والضحالة ودمرت العقل الجمعي العربي، كما دمرت اللغة العربية لأن نجومها من الجهلاء والبلهاء وكل من هب ودب يمكنه الكتابة والتدوين. ولو حاولت أن تكون منطقياً وموضوعياً وجاداً على هذه المواقع، فإنك ستواجه فشلاً ذريعاً لأن الجمهور سطحي وأحمق، ولابد أن يكون من يخاطبه ويتفاعل معه بنفس السطحية والحماقة.

وحصن النساء هو الذي يتم غزونا منه على مر العصور، فمن أراد تغريب الأمة، فعليه أولاً بالنساء يتبنين دعوته وقد حدث هذا فعلاً. ومن أراد إغراق الأمة في الإرهاب والتطرف والدم والدمار باسم الدين فعليه بالنساء ينشر عن طريقهن دعوته وهذا ما يحدث الآن. الخلاصة أن هذه الأمة العربية هي بيت دائها، وأن الفيروس الذي يدمر خلاياها عربي النشأة وليس مستورداً. ويمكنك أن تؤكد وأنت علَى حق أننا أمام أكبر حالة انتحار جماعي في تاريخ الإنسانية تشهدها الأرض العربية. ليس هناك تشخيص آخر للنكبة التي نحن فيها، نحن في حالة انتحار جماعي. والمضحك المبكي أننا ننتحر ونحن نظن وظننا كله سوء أننا ننتصر، وإذا استعرضت ما يجري في دول عربية كثيرة، فلن تجد تشخيصاً أقوى من أن ذلك الهوان ليس سوى انتحار جماعي، أو إن شئت فقل إنه انتحار شعبي. هناك سقوط مدو وتام لكل الجمهوريات العربية تقريباً، مما يؤكد أن النظام الجمهوري دخيل على هذه الأمة وفشل فشلاً ذريعاً، لأنه كان دائماً نظاماً هشاً، وجمهوريات وهمية لا علاقة للجماهير أو الجمهور بها.

وكل هذا الذي نحن فيه، والذي سيستمر طويلاً على ما يبدو يرجع إلى التفسير الخرافي والتآمري والتشخيص اللامعقول لأدوائنا، وسوء التشخيص يؤدي دوماً إلى تفاقم المرض. ونحن دائماً نقول عبارة شهيرة، هي أن الأمة العربية تمرض ولا تموت. وتلك مصيبة كبرى. المرض بلا شفاء وبلا موت أيضاً، وكأننا مثل أهل جهنم حيث لا يخرجون منها، ولا يخفف عنهم العذاب، ولا يقضي عليهم فيموتون. وأسوأ العذاب في جهنم هو قول الله تعالى عن الأشقى الذي يصلاها (ثم لا يموت فيها ولا يحيا). تماماً مثل حالة العرب الآن لا يموتون ولا يحيون، معظم الدول العربية الآن لا يموت الناس فيها ولا يحيون. والناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. انتحار جماعي وقتل مجاني حتى لا يعرف القاتل لِمَ قتل، ولا يعرف المقتول لم قُتل. وكل الأحداث في هذه الأمة تخضع للتفسير الخرافي، وتعلق على شماعة التآمر وأعداء الأمة والإسلام، لذلك أصبحت الأفعال الإرهابية والإجرامية في أمة العرب مبنية للمجهول، ومنسوبة لأشباح وعفاريت، ويأتينا الموت من كل جانب وما نحن بميتين. ولا تبدو نهاية قريبة للإرهاب والانتحار الجماعي في الأمة العربية، لأن الإرهاب والتطرف والعنف صار ثقافة شعبية في كثير من الدول العربية. إرهاب اللسان والقلم والبندقية. الإرهاب أصبح سلوكاً يومياً للعربي، فهو يتحاور بتطرف ويأكل بتطرف، ويشرب بتطرف، ويستهلك بتطرف ويكره بتطرف ولا يحب أبداً .. ووقود الكراهية، هو الذي يدير المحركات والآلات البشرية في هذه الأمة، والناس في أمتنا اثنان: أحدهما إرهابي والآخر مشروع إرهابي، الناس منهم إرهابي ومنهم من ينتظر. الإرهاب في كل يوم ينتشر والعربي ينتحر ويظن وهماً أنه ينتصر، وما تغني النذر!

محمد أبوكريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا