• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

نوفاليس..زهرةالأبديّة الزّرقاء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 يناير 2015

جيل براستنيتزار*

قطوف من شعر نوفاليس* ترجمة أحمد حميدة

التّرتيلة الأولى أيّ مخلوق، وأيّ كائن مرهف، لا يتمنّى قبل أيّ أعاجيب تعمر الفضاء، تلك السّعادة الغامرة التي يمنحها النّور بألوانه وأشعّته وتموّجاته، وبحضوره الوثير والمطلق ساعة السّحر؟ إنّه الرّوح الحميمة للحياة، والنّفس الهائل الذي لا يستكين للنّجوم، والذي يمضي سابحاً، راقصاً في لجّته الزّرقاء. إنّه نفس الحجارة الوامضة والأبديّة للسّكون، والعشبة الحالمة وهي تمتصّ العصارة في ذهول، والحيوان الوحشيّ الغضوب ذو الأشكال المتلوّنة، وأكثر من كلّ هؤلاء، هو ذاك الغريب الرّائع بنظرته الحادّة، وخطواته المجنّحة، وشفاهه الطريّة المطبقة.. المترعة بالموسيقا. إنّه كملكة الطّبيعة الأرضيّة وراء تحوّلات لا حدّ لها تسري في العناصر، تعقد وتفكّ تحالفات لا نهائيّة، وتكلّل كلّ مخلوق على الأرض بصورتها السّماويّة، وبحضورها وحده تتجلّى في هذا العالم عظمة الممالك القصيّة.

و التفتّ لأنظر من حولي اللّيل المقدّس، المبهم والمحتشد بالأسرار، فإذا بالعالم يبدو بعيداً، جاثما في وهدة قبر عميق، في مكان ما منعزل ومقفر، ومن شرايين القلب ينبعث الحنين جامحا. إنّي أريد أن أتساقط كقطر النّدى لأمتزج بالرّماد، بأقاصي الذّكرى، بأمنيات الشّباب، بأحلام الطّفولة، بالفرح العابر وبالآمال العقيمة للحياة المديدة، حياة تمضي في لباس رماديّ وكأنّها بعد غروب الشّمس ضباب مسائيّ. أمّا النّور فقد ضرب فسطاط الفرح في مكان قصيّ آخر، أفينبغي له أن لا يعود أبداً إلى أبنائه، وهم ينتظرونه بقلوب خاشعة وبمُهجٍ مفعمة بالبراءة.

أيّ إحساس هذا الذي تدفّق فجأة من داخلي ليمتصّ النّفس العذب للحنين؟ فهل تقاسمنا نفس المحبّة أيّها الليل المعتّم؟ ما الّذي تخفيه تحت معطفك وتنسرب منه تلك القوّة الخفيّة إلى روحي؟ من راحة يدك يقطر بلسم ثمين فائح برائحة الخشخاش، وإنّك لتطلق أجنحة القلب المعنّى فتجعله محلّقا، وفي الهواء طليقا. ويجتاحنا شعور غامض ومبهم بالقلق، وبخوف ممزوج بالبهجة يتبدّى لي وجه رصين ينحني أمامي بعذوبة وخشوع، وتحت خصلات شعر كثيفة ومتشابكة أبصر الوجه الحبيب لأمّي نابضا نضارة وبهاء. كم يبدو لي النّور الآن ضحلاً وطفوليّا، كم هو مبهج ومباركٌ وداعُ النّهار.

هكذا ولأنّ اللّيل يبعد عنك المخلصين من عبادك، زرعت في الفضاء السّحيق الكواكب المضيئة لتعلن قدرتك الكليّة، وعودتك في ساعات الجفاء. أكثر سماويّة من تلك النّجوم الزّاهرة هي العيون اللاّنهائيّة التي يفتحها اللّيل بداخلنا، إنّها تلج أعماق القلب العاشق فتملأ الآفاق بنشوة لا توصف، وتجعلها تعلو وتتسامى. فلتتبارك ملكة اللّيل الرّاعية للمحبّة السّماويّة والتي بها تتجلّى العوالم القدسيّة، إنّها ترسلك نحوي يا محبوبتي الودودة ويا شمس ليلي المؤنسة. أنا الآن في حالة اليقظة، لأنّك أضحيت وكأنّك أنّي، وجعلتني أدرك أنّ الليل هو منية المتمنّي. فلتحرقي جسدي بلهيب الرّوح كيما ارتفع في الفضاء وأهبط فيك في تمازج حميميّ يديم أبديّاً ليلة الزّفاف.

الترتيلة الثّانيةأينبغي للصّبح دوماً أن يعود؟ ألن تنتهي أبدا سطوة الطّين القاهرة؟ إنّها لعناد محموم ينتهب النّفحات السّماويّة للّيل ! ألن تتوهّج أبديّا شعلة المحبة الأثيريّة.. وزمنها.. زمن النّور؟، في اللاّمكان واللاّزمان هي مملكة اللّيل، وأبديّة هي ديمومة الرّقاد. أيّها النّوم المقدّس ! لا تبخل بفيض من الغبطة على المولّهين باللّيل، ولا تسلمهم لعناء اليومي القاسي على هذه الأرض. وحدهم الحمقى ينظرون إليك بجحود، ولا يظفرون من النّوم بغير الظلّ الذي تلقي به علينا مشفقا، في غسق اللّيل الحقيقيّ. إنّهم لا يشعرون بك في سائل الكروم الذّهبيّ، في زيت شجر اللّوز المنعش، وفي العصارة السّمراء للخشخاش. إنّهم لا يعرفون بأنك أنت من يرفرف حول جيد العذراء العاشقة، وتجعل من ثديها.. الفردوس، إنّهم لا يدركون بأنّك كسليل الأساطير العتيقة تأتينا مهرولا ومشرعا أبواب السّماء، وبراحتيك مفاتيح بيوت السّعداء، بصمت رسول مكلّل بأسرار زمن لا بداية له ولا انتهاء. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف