• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

ومضات تنموية

الألفة والانسجام (2)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 04 مارس 2012

د. عبداللطيف العزعزي

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن معنى الألفة والانسجام والعوامل التي تساعد على بناء الألفة، وذكرنا منها الألفة الخارجية، واليوم نكمل بقية الموضوع لتكتمل لدينا الصورة، ولنبدأ بالألفة الداخلية. هناك أمور تعزز من تحقيق الألفة الداخلية تجاه الطرف الآخر كشريك الحياة مثلاً أو أحد الأقارب أو الأصدقاء وغيرهم، ومن تلك العوامل «المحبة بصدق»، فمتى ما أحببته أصبحت له مكانة في قلبك، وتقدير واحترام، وبالتالي ستتحاشى فعل أي أو قول يزعجه ويؤذيه ويغضبه، فلا يجتمع الحب والتقدير مع الإغضاب والعصيان، فلو فُهم هذا الأمرُ جيداً لخفت كثيراً مشاكل الناس الشخصية، ولجرت مياه الحب في عروقهم مرة أخرى.

فكر فيه بإيجابية فعندما نفكر بالأشخاص من الناحية الإيجابية نحصل ونجني من أفعالهم وأقوالهم وتصرفاتهم ما نحب ونرضى. وهذا يقودنا إلى أحد قوانين العقل الباطن التي تقول: «ما نفكر به نحصل عليه»، والعاقل يعرف ما يصلحه وما يسعده. فهناك من يحرم نفسه من الاستمتاع بالتفكير الإيجابي تجاه الآخرين، إما لخبرة سيئة سابقة، أو لأفكار ومعتقدات، ومفاهيم خاصة به، وهذه الأمور وغيرها تعيق العملية الفكرية عند الإنسان.

ما هي آثار المحبة في بناء الألفة؟ المحبة- كتشبيه تقريبي- تعمل كالمرشحات التي تستخدم في التصوير تعمل على تصفية وتنقية الوجه ليبدو جميلاً خالياً من العيوب. ويتضح هذا الأمر في حالة البغض، فمثلاً عندما يكره أحد الزوجين الآخر فإنه يظهر عيوبه ومساوئه وما إلى ذلك، مع أن معظم ما يُقال من سلبيات كانت موجودة من أول يوم في الزواج أو ما قبل الزواج، ولكن التركيز والانتباه هنا اختلف. فقد قال الإمام الشافعي: «وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا».

كيف يكون التركيز ناجحاً في إيجاد الألفة والانسجام؟ يكون ناجحاً إذا ألغى الشخص الراغب في بناء الألفة كل ما يعيقها. بمعنى آخر التركيز على محاسن ومناقب ومثالب الطرف الآخر. هذا من ناحية تركيز النظر والانتباه وحديث النفس. أما من الناحية العملية الملموسة تركيز التعامل الفعلي بالكلام والتصرفات على أساس المحبة والتقدير والاحترام. عزيزي القارئ إذا ركزت نظرك على شيء قديم تملكه، وأخذت تنظر إليه وكأنك تراه لأول مرة فإنك سترى فيه جوانب جميلة جديدة لم تدركها من قبل، أو نسيتها، والناس من حولك يحتاجون منك هذه النظرة لترى بها ما هو جميل لديهم.

والمعتقد يحتاج إلى مراجعة من وقت لآخر وتحييده للإيجابية؛ لأننا في أحيان كثيرة نبني أحكاماً سلبية على أناس نتيجة لمعتقد سابق ترسخ في العقل الباطن مع أن حقيقة أمر ذلك الشيء قد اختلفت بسبب عوامل كثيرة، ونحن لا نزال نحيي ذلك المعتقد القديم لنستخدمه ضد مصالح علاقاتنا الإنسانية في زمننا الحاضر والمستقبلي. فنحن بيدنا أن نصنع الألفة ونحققها بعيداً عن الدجل والسحر وغيرها من الأمور التي يلجأ إليه بعض من الناس وهم لا يدركون فداحة ما يفعلون.

dralazazi@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا