• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

اللجوء والهجرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 24 مايو 2016

تؤكد الإحصاءات، أن عدد طالبي اللجوء والهجرة في العالم، خاصة من المناطق المضطربة في الشرق الأوسط وآسيا، في تزايد مستمر، علماً أن هؤلاء التعساء الفارين من بلدانهم ينشدون فقط الأمان، وليس بحبوحة العيش المتوافرة في البلدان التي يذهبون إليها، مجازفين بحياتهم وحياة أسرهم عبر قوارب الموت، وهناك أيضاً من لم يستطع إلا اللجوء إلى أقرب دولة مجاورة نازحاً إليها، مع العلم أن الكثير منها لا يتحمل أي حركة نزوح.

تزايد عدد اللاجئين يثبت أن دول العالم ومنظماته، خاصة الأمم المتحدة، فشلت في القيام بدورها الإنساني والأخلاقي، تجاه المهجرين والنازحين، بل شهدنا صفقات تحاول الاستفادة من الأزمة بتحقيق مكاسب سياسية، فإذا فشلت الأمم المتحدة في حل الأزمة من جذورها، فعلى الأقل فلتساعد هؤلاء، لأن الإنسان والمحافظة على حياته وحقه في الحياة قوام كل القوانين التي تتدثر بها الأمم المتحدة.

وإذا استمر معدل الهجرة والنزوح بهذه الوتيرة المتصاعدة والمطردة، بحسب تقرير بان كي مون السكرتير العام للأمم المتحدة، في العاشر من مايو الجاري، فمن المتوقع، ومع حلول عام 2050، أن يصل عدد النازحين والمهجرين إلى 321 مليون نسمة، علماً بأن عدد اللاجئين والمهجرين، حسب تقرير الأمم المتحدة وصل السنة الماضية 244 مليوناً، بزيادة قدرها 71 مليون نسمة، أو ما يعادل 41% قياساً بعام 2000.

وتشكل النزاعات المسلحة عاملاً أساسياً في هذه الأزمة الإنسانية العالمية، وبالنظر إلى خريطة العالم نجد أن بؤر التوتر، والأماكن الملتهبة، تتوزع بين أوروبا «أوكرانيا»، وآسيا «العراق، سوريا، واليمن، ونيبال»، وأفريقيا، خاصة الحرب الأهلية في ليبيا، وبلدان الساحل الأفريقي، أو المواجهات القبلية والعرقية «السودان وجنوب السودان»، ومناطق في غرب وشرق ووسط أفريقيا، كما لا يمكن إلا ذكر أساس الصراع في الشرق الأوسط فلسطين وملايين المهجرين من ديارهم منذ عام 1948م، بسبب الممارسات الإسرائيلية العنصرية والهمجية، واحتلالها لدولة بكاملها، والسعي لتغيير خريطتها الديمغرافية وتهجير سكانها.

إن الأسباب الرئيسة في هذه المآسي الإنسانية لها جذورٌ تاريخية، تتمثل فيما خلفه الاستعمار من بؤر توتر، عندما تم رسم خريطة النفوذ بعد الحرب العالمية الثانية، وخلق علاقة غير متكافئة بين الدول المنتصرة ومستعمراتها، قائمة على التبعية، وتعطيل المشاريع الحيوية للنهوض الوطني ونهب خيرات الشعوب ومواردها، ولا يمكن التغاضي عن أن الدولة الوطنية بعد خروج الاستعمار فشلت في بناء دول حديثة وعصرية تذوب مكوناتها على أساس المواطنة والوطن الواحد، بل شيدت دعائم البناء الوطني على القمع والفساد، واستحواذ طبقات طفيلية تقتات موارد الدولة وخيراتها، فإذا كان التدخل الخارجي وسياسة التبعية عطلا بناء الدولة الوطنية، فإن غياب مشروع وطني مجتمعي للنهوض قائم على الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والتعددية الثقافية، لعب عامل هدم للحمة الوطنية، ما هدد أساسها.

إن مشكلة الهجرة والنزوح أصبحت مشكلة عالمية، ولن يتم حلها إلا بتوافق عالمي، يعمل أولاً على جسر الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويقف ضد قمع الأنظمة الشمولية لشعوبها، وسياسات الخطف والتعذيب، وتفعيل المواثيق المعنية بحق الإنسان في الحياة والعيش الكريم وضمان حريته، لأنها أساس وجوده، فاحترام حقوق الإنسان ومحاسبة منتهكي هذه الحق هو ضمانة للاستقرار، وكذلك إيجاد علاقة اقتصادية متكافئة بين الشرق والغرب، أو ما يسمى بدول الجنوب والشمال، أساسها المنافع المتبادلة والمصالح المشتركة. وفي الشرق الأوسط يأتي محاربة فكر التطرف والتنظيمات المنبثقة عن هذا الفكر كأولوية قصوى، فلا يكفي محاربتها عسكرياً، خاصة أن الكثير من الدول تحاول الاستفادة من هذه التنظيمات لتحقيق مكاسب سياسية، وتوسيع نفوذها، أو العمل على إبعاد خطرها بعيداً عنها، فالتطرف جذوره اجتماعية وثقافية، لذا يجد له حواضن في الكثير من الدول، وما لم يتم تفكيكه واجتثاثه من المجتمعات والعقول، سيظل مهدداً للكثير من الدول، فنشر ثقافة التسامح وقبول الآخر تتطلب عملاً دؤوباً وصبوراً في جبهات عدة، منها الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا