• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

محللاً سيميائيات الصورة الإشهارية وتمثلاتها الثقافية

سعيد بنكراد: المعنى في عين الرائي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 24 مايو 2016

محمد نجيم (الرباط)

بكتابه الموسوم «سيميائيات الصورة الإشهارية.. الإشهار والتمثلات الثقافية» يضيف الباحث والسيميائي المغربي الدكتور سعيد بنكراد (أحد كتاب «الاتحاد الثقافي») كتاباً مهماً إلى سلسلة بحوثه وكتبه القيمة التي بوأته مكانة علمية وبحثية وأكاديمية مرموقة على صعيد الوطن العربي.

والكتاب، لا يبحث في الإشهار من وجهة النظر الاقتصادية أو التسويقية، بل هو غوص في أعماق البشرية مع تحولها نحو الحداثة، فالمقالات التي يضمها هذا الكتاب لا تعير كبير اهتمام لقضايا الربح والخسارة والادخار والتنافس، على الرغم من اعترافنا الصريح بوجود روابط حقيقية بين هذه الأنشطة وبين رغبات المستهلك الواعية واللاواعية.

وبرأي بنكراد فإن الإشهار يلعب لعبة خطيرة في حياة الإنسان المعاصر، فالوصلة الإشهارية أو الإرسالية الإشهارية كما يسميها بنكراد، لا تقدم لنا المنتج فقط، إنها تُبشر بانتماء إلى قيم تحدد للفرد وضعاً اجتماعياً يُميّزه عن الآخرين أو يوهمه بذلك. ويذكر جاك سيغيلا أنه ذهب في بداية عهده بصناعة الوصلات الإشهارية إلى السيدة باطا - وكانت امرأة في الخامسة والستين من عمرها- وعرض عليها مشروع وصلات إشهارية تركز على الأحذية بعيداً عن الإيحاءات الجنسية التي يمكن أن تثيرها الأقدام. ولم يعجبها الأمر ونظرت إلى وصلته نظرة ازدراء، ويقول سيغيلا معلقاً على موقفها هذا: بعد أن نظرت تلك السيدة ملياً إلى المجسمات التي وضعتها بين يديها قالت لي: «اسمع أيها الشاب لا يمكنني أن أتعامل معك أبداً، فبائع الأحذية لا يبيع أحذية، إنه يبيع أقداماً جميلة».

فالغاية من الدعاية، كما جاء في تقديم الكتاب، هي الربح، ولا يشكل الاحتفاء بالإنسان والعالم المخملي الجميل الذي يعد به الإشهار سوى وسائل غير مباشرة للبيع وترويج البضائع. وعلى الرغم من بداهة هذه الحقيقة، فإن هذه الغاية لا تكشف عن نفسها أبداً بشكل صريح، فلن نعثر أبداً على وصلة إشهارية تقول لنا علانية: اشتروا المُنتج «س» فهو أنفع لكم وأجدى لحياتكم. فتلك حقيقة لا تساعد على البيع، لأنها تعزل المُنتج عن محيطه القيمي وتحوله إلى مادة استهلاكية بلا قلب ولا روح.

ويتضح ذلك من بناء الإرسالية الإشهارية ذاتها، فهي تستند إلى ازدواجية في التدليل تجعل المُنتج يتأرجح بين مظهر مادي هو موضوع الاقتناء وهدف الإشهار، وبين الكون القيمي الذي يختزنه هذا المُنتج ويعد رمزاً له. فما يعود إلى وجهه المادي يشكل المعنى المباشر المعطى مع فعل الترويج ذاته، إنه حرفي ونفعي ومباشر. أما ما يعود إلى الوضعية الإنسانية التي تتجسد داخلها القيم الإنسانية، فإنه يشكل المعنى الإيحائي المتواري في ثوب الفرجة الحياتية التي تخبئ داخلها الإرسالية الإشهارية مراميها الحقيقية. ذلك أن الاقتصار على الدعوة الصريحة إلى شراء المُنتج واستعماله، معناه جهل أو تجاهل لما يعتمل داخل الإنسان شعورياً ولا شعورياً. فالمستهلك لا ينجذب إلى هذا المُنتج لأنه الأنفع والأجدى من غيره، إنه يفعل ذلك لأن هذا المُنتج يقدم نفسه للمستهلك بطريقة أجمل وأذكى من غيره أولا، وثانياً لأن فعل الشراء ذاته تتحكم فيه مجموعة من الصور النمطية الثاوية في الدهاليز المظلمة للاشعور، وهي التي تملي توجيهاتها لحظة الشراء، وتدفع المستهلك إلى اقتناء هذا المُنتج دون ذاك.

إن الإشهار هو في المقام الأول استنفار لطاقات انفعالية مبهمة داخل الذات المستهلكة، وتعتبر القدرة على استمالة هذه الانفعالات إحدى الوسائل الأساس لنجاح الإرسالية الإشهارية.

فكما أن المُنتج ليس كياناً مادياً مفصولا عن العالم الإنساني، فإن المعنى لا يوجد في الواقع ولا يسكن الكائنات والأشياء. إن المعنى في عين الرائي، وعين الرائي هي التي تخلص المُنتج من نفعيته ووظيفته لتحوله إلى حلم وجمال ورؤى سحرية. والإرسالية الإشهارية تساعده على فعل ذلك. فهي تحول الأشياء الاستعمالية النفعية إلى أدوات للفرجة والابتهاج، إنها تخلص الأشياء من بعدها النفعي وتحولها إلى حامل لقيم «المسرة» و«المحبة» و«التصالح» و«الطمأنينة» و«الذكاء».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا