• الجمعة 02 محرم 1439هـ - 22 سبتمبر 2017م

بروفايل

وجه فان جوخ: هلاوسدوار الشّمس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 يناير 2015

إسماعيل غزالي

شيئان يحركان روحي: التحديق في الشمس والتحديق في الموت (ف. ج)

وجه قسّ منبوذ. وجه أخطأ طريق الأنبياء واندحر إلى بؤس متصوف أعزل بلا مريدين أو أتباع. وجه خلق لتبتهج به أمّ الكوارث الإنسانية.

طالما تعامل فان جوخ مع وجهه بريبة وشبهة وقلق، فوجوده تعويض لموت أخيه الذي سبقه، لم يتجشم الرسام عناء حمل اسمه وفقط، بل تحمل شقاء ازدواجية ذاته المتصلة بذات أخيه الميت، ومنها ازدواجية وجهه، إنه السبب التراجيدي لثقل وكابوسية وجهه المضاعف، لا سبيل إلى الفصل بين وجهه الأصلي ووجه أخيه الذي يعوض وجوده المفترض.

هناك صورة دامغة تفرض سطوتها عليّ كلما تأملت وجهاً عاتياً ومرعباً، وجهاً مستفزاً وموخزاً للانتباه، وجهاً يضطلع بقيمة علامة. فأول شيء يهاجسني هو تخيل مكانه الأول، المدينة أو القرية التي شهدت حادثة ولادته، لنقل أن رائحة تراب هذا المكان الذي صنع منه الوجه، تفوح منه، وهذا ما يفسر انزلاق خيالي إلى «جروتزندرت» التي ازداد فيها فان جوخ، فكيف يمكن النبش عنها في زخم أطياف وجهه؟ ربما تكفي رائحة ولون التراب الذي شكل المادة اللعينة لخزفية وجهه وشكله ...

يفصح وجه فان جوخ عن تاريخ حافل بالفشل والخسارات والأعطاب الميتافيزيقية الحرّى اللاتحصى، فشله في أن يتحول إلى قسّ وخطيب في كنيسة أو كلاهوتي استثنائي خرج من إرث التوراة بضياع ماحق، فشله في الدراسة (خاصة مادة الرياضيات)، فشله العاطفي مع النساء (مع ابنة عمه «كي» على سبيل المثال)...الخ

يشفع لوجهه الدمث خروجه أو انحرافه عن منظومة التربية وقوانين التعليم الأكاديمي ووصايا الفن... وجه منزعج ليس لعصامي بالضرورة، بل لكائن منذور لجنونه الشخصي وحده، منذور للأرياف وحياة البوادي، منذور لمآسي العمال والفلاحين. من فرط امتصاص وجهه لهذه الأقطاب الثلاثة (حياة الأرياف – العمال – المزارعون) صارت علامته تتواشج وتناقضاتها. إذ يبدو الوجه في الصورة أعلاه كما لو كان لمزارع محنك، عالم بأحوال النبات، خبير بعلم التربة وعرّاب لمتغيرات الطقس، كما يبدو في تخييل ثان، وجهاً لعامل بحسّ نقابي عال، مما يجعله مرشحاً ليكون رئيساً لنقابة عمال المناجم ... أما الصورة البكر المتناغمة حد التطابق مع حساسية وجهه وبلاغتها المفرطة في الحزن والألم، هي صورة الهلوسة الغريبة التي تعتمل في كيمياء وجهه، تكشف عنها نظرته الفوسفورية المأخوذة بما وراء حدود المكان. نظرته الساهمة والشاردة تكشف عن هوس بما وراء التخوم، وما عساه يكون هذا الما وراء إلا النداء الغامض للبراري والضواحي ... كم يضيق وجهه ذرعا بكآبة المدن ويتلبد حنقاً وقلقاً أكثر في العواصم (باريس الشتائية مثلا) ولا ينبت الضوء في خزفه إلا عندما ييمّم بشطره صوب الجنوب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا