• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

نجح في أن يخلق أسطورته في الثقافة العربية الحديثة

الوصُول إلى صخْرةِ الشابّي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 يناير 2015

محمد بنيس

(1)

نجح الشابي في أن يخلق أسطورته في الثقافة العربية الحديثة. وهو بهذا من الأسماء الأدبية القليلة التي استطاعت أن تجعل اسمها يتنقل من العادي إلى ما فوق العادي. لم يقم بشيء في حياته من أجل خلق أسطورته. كانت وفاته، وهو في الخامسة والعشرين من العمر، بداية منها انطلق قراؤه ومحبّوه ليخلقوا له أسطورة. ثم مع توالي السنوات، واستمرار تعلق القراء بشعره، ترسخ في المتخيل الأدبي العربي، مغرباً ومشرقاً على السواء، حب أسطورة الشابي والتعلق بها. ومن آثار الأسطورة أنه كتب الشعر فوق صخرة في جبل عين دراهم، التي كان يقضي فيها فصل الصيف حتى يستريح من عناء مرض القلب. لم يتوقف القراء والمحبون عن إضافة عناصر جديدة للأسطورة. ثم جاءت تونس بثورتها في الربيع العربي، فرددت الجماهير التونسية الثائرة بيتين من أبيات قصيدة الشابي «إرادة الحياة»، بما هي تجسيد لأسطورة القوة الخفية التي كان الشابي يتمتع بها.

كلمة «الأسطورة» منعشة ولذيذة حيناً، منفّرة ومقيتة حيناً آخر. وأنا أقصد من استعمال الكلمة المعنى الأول، الذي نكاد نفتقده في حياتنا الثقافية الحديثة، حيث يتحول معها الفرد إلى بطل خارق. أمر لا شك أنه معنى يثير للوهلة الأولى عندما نربطه بالشابي. بل إنني كثيراً ما لاقيت عدم التفاهم بشأن الشابي مع أصدقاء تونسيين، من بينهم شعراء أعتز بمودّتهم. لكن لنتمهّل قليلاً. أمر الأسطورة الملازمة للأدباء والفنانين، أو للفلاسفة والعلماء، من بين ما شغلني في رؤيتي إلى الثقافة العربية الحديثة بالمقارنة مع مكانة أعلام من الثقافة العربية القديمة في المتخيل الجماعي. أن يشغلني أمر الأسطورة معناه أني أرى أن افتقادها لدى أدبائنا وفنانينا الحديثين من بين الفروقات بينهم وبين القدماء. وهذا الافتقاد يفيد عدم دخول الحديثين إلى عالم المتخيل الجماعي، وهو علامة على الغربة في مجتمعهم. أّذكر الأسطورة بما هي الضوء الخلفي، الذي يدلنا على مكان المجهول الذي لا نعيش بدونه. كنا في ثقافتنا التقليدية، التي تعود إلى المرحلة الصوفية، نقدم كلمة «الكرامة» لنعت الطاقة الخفية التي يملكها بعض الأفراد. لكني أفضل كلمة الأسطورة، تجنباً لكل التباس، ولما انفتحت عليه من تأويلات حديثة، لم تعد محصورة في التعريف الأفلاطوني أو الأرسطي لها. بهذا المعنى يكون القراء هم الذين يتولون أمر خلق الأسطورة وتنميتها ونشرها، عبر أزمنة وأوضاع ثقافية واجتماعية تاريخية. كذلك هو الأمر مع الشابي، الذي لم يبلغ إلا النادرون من الأدباء والكتاب العرب الحديثين ما بلغه من وضوح أسطورته وحضورها في الحياة العامة. وحكاية صخرة الشابي من آثار الأسطورة.

(2)الأسطورة، إذن، هي التي جعلتني أرغب في الوصول إلى هذه الصخرة التي ترددت أصداؤها في أحاديث مع أصدقاء تونسيين، منذ السنوات الأولى التي زرت فيها تونس ابتداء من سبعينيات القرن الماضي. ولأن حديثي عنها أصبح من أسراري التونسية، فقد أغراني الصديق محمد لطفي اليوسفي ذات مرة بالسفر في الصيف إلى عين دراهم. لكن كانت لدي ارتباطات أرغمتني على الاعتذار.

خلال زياراتي المتتالية كانت الدعوات تيسّر لي زيارة بعض الأمكنة التي لها علاقة بالشابي. في البدء كانت مدينة تونس، المدينة القديمة وجامع الزيتونة، وقد مر وقت طويل قبل أن أصل إلى المكتبة الخلدونية. ثم جاءت القيروان، بروعة معمارها وأضوائها. وبعدها زغوان الغنية بالمياه منذ العهد الروماني. وصحبة محمود درويش زرت توزر وضريح الشابي. أمكنة ذات عمق حضاري وطبيعي، كما أن لكل واحد منها أثره الخاص في بناء الأسطورة. وأنا أحب الأمكنة، والتنقل بين أمكنة الكتاب والفنانين والمتصوفة والأنبياء من بين ما يحبب لي السفر. لست الأمكنة المختارة في الخلاء مجرد غبار ورياح، ولا المدن محصورة في جدران وبنايات جامدة، بل هي الحياة نفسها، لدى هؤلاء وأولئك. تصبح إنسانية وحضارية ومقدسة بقدر ما تمتزج بالإيقاع اليومي للناس، وبالعين الثالثة التي يهتدي بها الكاتب والفنان، أو المتصوف والنبي. من خلالها يرى العالم من حوله، ثم بإبداعه، أو كرامته ومعجزاته، يمنحها طاقة جديدة من الحركة، والكلام، والخيال، والحلم.

(3) كذلك كان أمر السفر، هذه المرة. على حين بغتة رنّ الهاتف. الشاعر معز العكايشي يخاطبني بكلمات يعبر بها عن دعوتي لمهرجان الشعر المغاربي، الذي يقترح علي أن يستقبلني كضيف شرف. مهرجان الشعر ببوقاسم، في 20 و21 نوفمبر (2014)، قال لي. استغربت من الدعوة التي تأتي في فترة يقبل فيها التونسيون على الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية. ثم إنني لا أعرف شيئاً لا عن مدينة بوقاسم ولا عن الجمعية المغاربية للفكر والإبداع التي تقيم المهرجان. كنت أنصت وأنا شبه صامت. لكنه، بحدسه فيما أعتقد، ترك الحديث عن المهرجان وأخبرني أن الإقامة ستكون بعين دراهم. عندها سألته: هل هي مدينة عين دراهم التي بها صخرة الشابي؟ فأجاب بالتأكيد. عندها وافقت على الدعوة من دون تردد. وافقت وأنا أكاد أنسى التزامات لي سابقة، وأنسى حتى عدم قدرتي على تحمل سفر وسط أسفار. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف