• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

جمال الروح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 23 مايو 2016

ميدان الجمال واسع، تكثر فيه المتناقضات، حتى أن النقاش فيه أوسع وأكثر تشعباً من كثير من مواضيع الساعة. فالجمال ليس خاصية في ذات الأشياء، بل في العقل الذي يتأملها. والجمال نوعان، جمال ظاهر، وجمال باطن، فكثيراً ما تقع أعيننا على أناس نراهم للوهلة الأولى على قدر كبير من الجمال، ولكننا ما أن نختلط بهم ونعرف خفايا روحهم، نجدها غير جميلة ومنفرة أو مريضة، لذلك فلا يغرنك جمال المظهر أو الجسد الفاني، فالجمال الحقيقي ينبع من جمال الروح بأخلاقها وفضيلتها أدبها ومجمل إيجابيتها.

جمال الشكل نسبي، فكل منّا له معايير يعتمدها لقياس هذا الجمال، وهذه تتفاوت من شخص إلى آخر، وتتبدل مع تقدم العمر، بينما لا يختلف اثنان على معايير جمال الروح التي لا تتغير ولا تتبدل. الجمال يروق العينين، أما الرقة والطيبة والحنان فتخلب الألباب وتسحر النفوس، وجمال الشكل بلا جمال الروح لا يساوي شيئاً. قد يفتقر جمال الشكل إلى الفضيلة، وقد يخفي وجه حسن نفساً خبيثة أو قلباً شريراً، أما جمال الروح فلا يحتاج إلى جمال الشكل الفاني أبداً.

يستطيع الإنسان أن يصنع جمالاً ظاهراً من أشياء بسيطة، حتى من الحجارة المبعثرة في الطريق، لأن جمال الشكل مجرد طبقة خارجية، ولكنه يعجز عن صنع جمال النفس لأنه من صنيعة الخالق، وكل ما يصنعه الخالق جميل، عظيم وكامل. ولكن إذا نظرنا بعين التفاؤل إلى الوجود الذي خلقه الله، لرأينا الجمال شائعاً في كل ذراته، فالأشياء الأكثر جمالاً في العالم لا يمكننا رؤيتها بأعيننا أو حتى لمسها بأيدينا، بل يجب أن تشعر بها بقلبنا ووجداننا، فهي صادرة من الله عز وجل، وكل ما يصدر من الله جميل.

قرأت كثيراً عن الجمال، وما أعجبني أكثر من قول وليم شكسبير: «ليس هنالك جميل ولا قبيح، وإنما تفكير الإنسان هو الذي يصور الجمال والقبح للإنسان». وغالباً ما نرى رجلاً يحب امرأة لا تتمتع بجمال شكلها فنستعجب ونتساءل، ما الذي أعجبه فيها؟ ولكنه في قرارة نفسه يراها أجمل نساء الكون، على رأي كاظم الساهر. إن الحب الذي لا يهتم إلا بالجمال الجسدي ليس حباً حقيقياً، فالجمال ليس بأثواب تزين الأبدان، أو بمساحيق تغطي الوجوه، بل الجمال هو جمال الروح المتحلية بالفضيلة والعلم والأخلاق.

الحب الحقيقي هو التقاء الأرواح، والأرواح لا تتنافس في الجمال، لأن كل الأرواح التي خلقها الله جميلة، وإننا حتماً لو استطعنا أن نرى الجمال حتى وراء ستائر القبح لصارت الحياة شيئاً محتملاً، فلو جعلنا منظارنا إلى كل ما حولنا ناصع البياض لرأينا العالم أجمل مما نتصور. فَرْقٌ كبير بين أن نحب الحياة لأنها جميلة، أو أن نراها جميلة لأننا نحبها. فهي بكل أشكالها جميلة على شاكلة صانعها عز وجل. ورحم الله شاعرنا الكبير ايليا أبو ماضي يوم قال:

والذي نفسه بغير جمــال ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا