• الجمعة 05 ذي القعدة 1438هـ - 28 يوليو 2017م

عن الوصايا على الإنتاجات الأدبية

من يدير الخوف.. في الثــقافة؟!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أبريل 2017

نوف الموسى (دبي)

الخوف؛ سؤال وجودي عميق، والأصعب من السؤال، هو مواجهة السؤال نفسه. الغريب أن الخوف يحضر في السرد النقاشي العام في الثقافة، كهامش، كحس ثانوي، كتابع للأمور في تحليلها، وربما يأتي ذلك من فكرة سرمدية درامية مفادها أننا لا نخاف، أو أن الخوف محصور ضمن فضاءات مباشرة تقيسها ردات فعلنا الطبيعية للأشياء، ولكن بتأمل بسيط ندرك أن الخوف مصدر رئيسي لجّل ردود الفعل، وأغلب وجهات النظر. بل أكاد أجزم أن الخوف هو من يدير عملية الوعي العام، بطريقة شفافة تكاد تكون واضحة، لكنها - للأسف - غير مرئية في التجسيد المادي، وربما لأننا لا نستطيع أن نلمس الخوف فينا، إلا بطريقة واحدة، وهي اكتشافنا لذواتنا، وبمعنى عملي أكثر، أن «نتقبل» الخوف بـ «وعي» في ذواتنا. لذلك فإن «معرفتنا» للخوف، كتيار ذاتي أو مخزون فكري في اللاوعي تأصل منذ فترة الطفولة الأولى، تمثل حاجة ضرورية لإحداث نقلة روحية عميقة، يوازيها استثمار فكري متنامي ومتطور. وبصراحة تامة؛ إذ ظل مفهوم الخوف لا يتجاوز الاعتقاد السائد باعتباره شعوراً فطرياً أو حساً مكتسباً، وظل هناك «قبول» غير واع للخوف، وتجنب الخوض في تفشيه كظاهرة تقيد الروح ووعي الفرد، فإن كل المبادرات والمشاريع الثقافية والمجتمعية، ستبقى على السطح، دونما تأثير فعلي على الأرض، وإعادة سؤالنا عن من يدير الخوف في الثقافة؟ يصل بنا إلى نقطة أننا إذا لم نكتشف مخاوفنا، فإن مخاوفنا ومخاوف الآخرين، ستديرنا وستتحكم بشكل الحياة بصورة بديهية غير قابلة للنقاش، وسنكتفي بوصفها حالة طبيعية، خاصة أننا نتحدث من موقع «لا ندري أننا لا ندري».

عندما سُئل المفكر والكاتب ستيفن كينج عن الخوف، قال إنه على مستوى البشر، فإنهم يخافون من الفوضى، الآخر الغريب، الخوف من التغير، من توقف الأشياء التي اعتدناها. وما يفعله ستيفن عبر كتاباته هو كسر للمرآة، معتبراً أنه في الحياة تصل لنقطة يجب أن «تتعامل» فيها مع شيء غير مفهوم بالنسبة لك.

مواجهة الخوف

الحديث عن الخوف، يجب أن يتحول إلى مشروع ثقافي، أو مبادرة بحثية علمية مستدامة في كل مؤسسة ثقافية واجتماعية ومعرفية وخدمية، لأن الخوض في تفاصيله النوعية يحتاج إلى تكريس الجهود، وإعداد قاعدة بيانات علمية، تقوم على تساؤلات نوعية، في تجارب الأفراد الفردية، وتطلعاتهم الشخصية، عبر وضع مناهج ممتدة لرصد المعتقدات والأفكار، والرغبات الخاصة، مع التأكيد بأن لكل فرد تجربته ومخاوفه الخاصة، حيث إن تعميم شكل المخاوف، ليس النتيجة المطلوب منا الوصول إليها، ولكن تحديد آليات التعرف على تلك المخاوف، عبر تعزيز الأدوات الإدراكية لدى الفرد، هو ما يمكن وضعه في إطار عام، مبني على مقياس عالمي، واعتماد علمي. والهدف من هذا المشروع، بالمعنى الفعلي هو جعل الأفراد يحدثون نقلة وعي في اكتشافهم لذواتهم، وبذلك يعتبر المشروع الثقافي المختص في الحديث عن الخوف، هو جسر بين الخوف الداخلي وانعكاسه على الواقع الخارجي، وصولاً إلى إحداث القبول الذاتي، من قبل المجتمع لمخاوفه بالعموم، من خلال المساهمة في بناء فضاءات من المواجهة الحقيقية عبر الحوارات المفتوحة، فالصراع الفعلي بين مختلف الأفكار والمعتقدات قائم على مبدأ الخوف، والحوار بطبيعته يساعد على إسقاط جل الأفكار والمعتقدات، وبالتالي تنشأ مساحة مفتوحة من الفراغ في ذوات الأفراد، مما يسمح بإمكانية إضفاء الحب فيه، لتؤكد أغلب التجارب الإنسانية أن ما يقابل الحب ليست الكراهية، وإنما الخوف، بكل أشكاله ومظاهره المختلفة، وحان الوقت لتتحمل الثقافة دورها المحوري، في إلهام الناس والمجتمع، نحو الوعي بأهمية أن الجهل بالذات لا يزال هو الخوف الذي يدير الثقافة.

هنا؛ يأتي الخوف كجزء من التكوين الشعوري، وليس نداً أو مرضاً أو عاهة يجب التخلص منها، ولكنها تمثل محركاً وتحدياً للذات، وفي الوقت نفسه هي دافع للذات، للنمو والتطور، لذلك يفضل أن يتم التعامل معها كظاهرة إنسانية، ضمن مبدأ احترام الخوف في الإنسان، بمثل احترامنا للحب، ومعاملته كضيف في دواخلنا، وصولاً إلى تحقيق رحيله من ذواتنا الداخلية بالقبول الهادئ، من قبل الفرد نفسه. والعملية، في تفاصيلها التجربية صعب إنجازها على المستوى العام، ولكن إلهام الناس نحوها يساهم في استدراجنا إلى حلول تفاعلية. والثقافة بقوتها الخلاقة تستطيع تحقيق ذلك، باعتبارها رمز البحث الأسمى لمنظومة الفكر البشري، فالثقافة تمتلك الفنون الإنسانية، التي تمثل لغات الاتصال الفكرية، والخوف يحمل بطبيعته نزعة عقلية وذاتية، والثقافة بأدواتها النوعية تتسرب إلى الروح كفعل الموسيقى تماماً، وتبدأ بتحطيم الجدران الوهمية، وإسقاط المبررات المختلفة، وتضعك أمام نفسك، ولا شيء سوى نفسك. ولكن السؤال هنا أيضاً، عن مدى قدرة الثقافة على اختراق الحدود المزيفة للذات في الأفراد بالمجتمع؟! وهل القائمين على الثقافة المحلية بنفسها، يدركون القوة التي يمتلكونها، وما مدى استعدادهم لتأسيس قرارات جريئة، تساهم في إحداث النهوض بالأفراد.

لنأخذ الكاتب والكتاب ودار النشر، إحدى الأعمدة الرئيسية للثقافة، كمثال في اكتشافنا لمن يدير الخوف في الثقافة، خاصة أنهم يواجهون أكبر التحديات المعرفية، وهي كثرة الوصايا المجتمعية على الإنتاجات الأدبية، وتحديد مسألة الخوف النسبية، من مقطع موسيقي أو قصيدة شعرية أو رواية أو لوحة فنية تناولت لغة كونية مختلفة. وتعددت الأسئلة في هذا الجانب أهمها: الخوف كمفهوم في الثقافة الإبداعية، هل لها تعريفها الخاص؟ الشكل العملي للخوف في المنتج الأدبي؟ إذا كان هناك خوف كيف تعرفه، ككاتب، وكصاحب دار نشر، وما هي طبيعة ممارساته في الواقع الاجتماعي؟ متى تخاف دار نشر على سمعتها؟ كيف ترون دوركم في تقبل الخوف والتكامل معه كتجربة إنسانية؟! الخوف ماذا يدير بالضبط؟ عملياً تلاشي الخوف، متى يتجلى في التجربة الإبداعية؟ هل ردات فعل القراء تقيس الخوف؟ ما هي مقاييس الخوف في الثقافة المحلية؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا