• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م
  07:04    التلفزيون المصري: 235 شهيد في الهجوم الإرهابي على مسجد بسيناء    

في الأدب والسياسة

تجليات الوسائط

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أبريل 2017

حنا عبود

في أواسط الخمسينيات، طرحت مسألة الوسائط في الفن السردي، إلى جانب طروحات أدبية أخرى، أمثال شخصية البطل الرئيس ولغة السرد ولغة الحوار... وكان قد ظهر بـ«العربية» كتاب هنري لوفيفر «في علم الجمال» وفيه مناقشة رصينة لمسألة الوسائط، التي تشمل كل ما هو قائم بين طرفين متناقضين: بين البطل والشخصية السلبية، بين الخير والشر، بين الشجاعة والجبن... بدرجات متفاوتة جداً، وليست ثابتة كفضيلة أرسطو الأخلاقية. وجرى نقاش واسع في الندوات والبيوتات الخاصة والجامعة والإذاعة، حول المسائل المطروحة: هل الوسائط ضرورية أم أنها مرهقة للقارئ، ومسيئة للفن القصصي والمسرحي؟ وهل اللغة الفصحى التي تصلح للوصف تصلح للحوار؟ وهل المشاهد الفرعية مفيدة في عملية السرد؟... وبما أن الزمن كان زمن فورة التيار اليساري، خاصة التيار الماركسي، فقد اختلطت النظرات الحزبية بالنظريات الأدبية.

كانت الآثار الأدبية التي جرى عليها النقاش- في ذلك الوقت- هي لعادل أبوشنب وفارس زرزور وحسيب كيالي وشوقي بغدادي... وغيرهم من داخل ومن خارج سوريا. ولما صدرت مقررات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، غدت منطلقاً للكثير من أدباء اليسار ومنظريه، حتى أن أحدهم طرح فجأة قضية الإجهاز على البطل، فلا بطل إلا الشعب، وما البطل سوى نوع من «عبادة الفرد» التي تحدث عنها خروشوف في تقريره السري ضد ستالين.

وذهب بعضهم، ممن هو أكثر دغماطية، إلى أن الوسائط مفردة من مفردات الإنتاج الرأسمالي، فالرأسمالي الكبير يجعل لبضاعته «وسائط» في الأسواق، بحيث تنفق البضاعة بسرعة، ويظل هؤلاء الوسائط أشبه بأتباع، فالعملية بحد ذاتها عبارة عن استعمار داخلي، لا يختلف عن الاستعمار الخارجي، ولذلك يجب إلغاء هذه الوسائط، كما تم إلغاء الوسيط في عملية الإنتاج والتوزيع في النظام الجديد للاتحاد السوفيتي. وبعض هذا البعض شبه الوسائط وعلاقتها بالبطل بالمتروبوليت والتابعيات، أي لا يخرج عن أن يكون نوعاً من الإلحاق أو الاستعمار. وعندما يذكرهم أحد أن الكتب الجديدة من الاتحاد السوفييتي كرواية «الحرس الفتي» أو «زويا وشويا» أو «الأوبكوم السري» أو «قصة رجل حقيقي»... تعتمد الوسائط، كان رد المتحمسين، هذا من بقايا أدب الوساوس والأمراض العصبية، أدب دستويفسكي، وكان أدبه ممنوعاً منذ فترة طويلة... ولم تستفد الحركة الأدبية في ذلك الوقت من النقاش الرزين لهنري لوفيفر. وسنكتفي بالأمثلة التالية للوسائط في الأدب والسياسة.

تيرسيتيس في الإلياذة

لن يجد القارئ أروع ولا أبدع ولا أكمل من شخصية تيرستيس Thersites في الإلياذة، فهي التي مثلت مسألة الأوساط وأهميتها في عملية السرد. فعن طريقها عبّر هومر عن رأي القطاع الأوسع من الشعب في القادة العسكريين، مفسدي الحياة وأعداء الديمقراطية، الذين باستيلائهم على السلطة يفعلون ما كانوا يستنكرون. وروعة الإلياذة أنها قدمت تيرستيس بأوصاف وضيعة لتدل على الطبقات والفئات التي يمثلها. يصفه هومر بأنه قصير القامة محني الظهر، يظلع في مشيته لتقوس ساقيه، ولأن إحدى الساقين معطوبة، ورأسه صغير وليس له من الشعر سوى خصلة في أعلى رأسه المدبب، وهو دائم النقار والخصام مع أوديسيوس وأخيل، ولا يتلفظ إلا بالألفاظ البذيئة الداعرة. وعندما تشتد الخلافات ويحرد أخيل لتصرف أغاممنون الشائن ويرفض المشاركة في الحرب، يهم الكثير من القادة إلى الانسحاب والعودة، لأن النبوءة ربطت النصر على طروادة بدخول أخيل الحرب، وهنا تتدخل الربة أثينا على شكل أحد القادة، وتتحدث مع أوديسيوس وتحضه على منع القادة من الانسحاب من الميدان والعودة إلى اليونان. إنه مشهد من أخطر المشاهد في الإلياذة، ونقطة تحوّل خطيرة. هنا يتدخل تيرسيتيس وكعادته في الكلام البذيء يقول: «ما الذي يزعجك يا أغاممنون الآن، وماذا تريد أكثر من ذلك؟ خيامك مليئة بالبرونز وبالنساء الجميلات، وكلما استولينا على مدينة نعطيك الكثير منهن. أليس لديك الكثير من الذهب، الذي قدمه إليك أحد الطرواديين فدية لابنه، بينما مَنْ أسره هو أنا أو أي شخص من الآخيين؟ أم لديك فتاة تخبئها وتضاجعها؟ ليس لائقا بك، أنت حاكم الآخيين، أن تجلب لهم كل هذا البؤس. أيها الجبناء الضعفاء، أنتم أشبه بالنساء من الرجال، دعونا نبحر إلى أوطاننا، ونترك هذا الرجل هنا عند طروادة حتى يتمتع بغنائم تكريمه، ويكتشف فيما إذا كنا نقدم له الخدمات أم لا. انظروا إلى أخيل، إنه أفضل منه، وتأملوا كيف عامله- انتزع منه جائزته، الفتاة الجميلة، واحتفظ بها لنفسه. عامله أخيل بمودة، ولم يلجأ إلى الحرب؛ ولو حاربك لما كنت يا بن أتريوس تهينه مرة أخرى». هكذا راح تيرسيتيس يشكو، إلا أن أوديسيوس هب إليه مباشرة يوبّخه توبيخا شديداً. قال: «ضب لسانك الثرثار، ولا تقل أي كلمة أخرى. لا توبّخ الأمراء عندما لا أحد منهم يدعمك. ليس هناك من مخلوق خسيس جاء أمام طروادة مع ابني أتريوس...» وهنا ضربه بصولجانه على قفاه وكتفيه إلى أن ترنح وسقط باكيا. وارتفع الصولجان الذهبي داميا عن ظهره، حتى أنه جلس صارخا من الألم، فبدا كأحمق وهو يمسح دموعه من عينيه...أ هـ. [النشيد الأول من الإلياذة 200- 275 من ترجمتنا]

هذه شخصية وسيطة، أو كما اعتدنا أن نقول «شخصية ثانوية» يمكن حذفها من غير أن تغيّر الإلياذة اتجاهها العام، ولكن تصوّروا العمق الذي وصل إليه هذا الشخص البسيط المشوّه، عندما اتهم العسكر بأنهم يقاتلون للغنائم ويقتتلون على المقاسم، ولا نجد أبلغ من هذا الكلام في وصف الطغمة العسكرية التي عرفتها بعض بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. إن الوسائط في الأدب، كما في غيرها لا تقل أهمية عن كل ما هو رئيسي في المادة الأدبية، أو الحياتية، أو المجتمعية... إنها تلك اللحمة التي تمسك القماش الفني، وقد تمرّ على لسانها مواقف أهم بكثير مما نجده عند البطل، فلولا تيريسيتس لما عرفنا موقف اليونانيين من العسكر، ومن موقف رجل أشوه عمل جندياً لسد العوز. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا