• الاثنين 27 رجب 1438هـ - 24 أبريل 2017م

ما الذي يجعلنا متوحّشين؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أبريل 2017

نص: سيلفي جرمان ترجمة - أحمد حميدة

من أين تتأتّى هذه الهيمنة المتنامية للأحكـــام السّبقيّة والحقد في العالم، وهذا التّعتيم الذي يطال الأدمغة رغم المدّ التّنويـري، ورغم وهج الضّياء الذي لا تنفكّ تطلقه الفلسفة؟ لقد غدا زمنـنا الرّاهن زمنا مستنيرا، تشيع فيه معارف كثيرة، قد تكفي وحدها لتصويب رؤيتنا للأشياء من حولنا، وتقويم ما اعوجّ من ممارساتنا وسلوكاتنا. ثمّ إنّ تحرّر العقل، وانفلاتَه من عقاله، نراه يوما بعد يوم يُسهم في تبديد المفاهيم العقيمة.. الواهمة، التي حالت لزمن طويل، دون الوصول إلى الحقائق الجوهريّة النّاصعة، كما نراه يزلزل الأرضيّة التي تعرّشت فـوق تربتها نزعات التعصّب والتّلبيس، السامّة.. القاتلة. (...). فما الّذي يجعلنا نظلّ، إلى غاية اليوم، على مثل هذا القدر من البربريّة، متمسّكين بوحشيّة مدمّرة؟

وفريدريش فون شيلر، أحد رموز التّنوير في ألمانيا، هو الذي كان قد طرح تلك التّساؤلات منذ نهاية القرن الثّامن عشر، وذلك في رسالته الثّـامنة عن «التّربية الجماليّة للإنسان»، الصّادرة سنة 1795. ورغم مُضيّ أكثر من قرنين من الزّمن، لا تزال تلك التّساؤلات إلى غابة اليوم ماثلة أمامنا، بل غدت اليوم أكثر ممّا كانت عليه في الماضي، ممضّة.. حارقة.

إنّ العقـــــل لَيتموضع في الجانب المضادّ للتوحّش، وينتَصب أمامه بثبات وعناد– الضّياء في مقابل الظّلمات، النّظام والانسجام في مقابل الفوضى، والحكمة في مقابل الجهل والشّراسة -، غير أنّ التّاريخ لا يقرّ تلك الأماني والمثل الجميلة، بل إنّه لا يني يخدعها ويمتهنها ويرُضّها. لقد دفع القرن العشرون بتلك العلاقة المتضاربة، بين الثّقافة والشّراسة إلى حدوده القصوى، ويبدو من الواضح أنّ القرن الواحد والعشرين سيعمل على تأبيدها بمزيد من الشّراسة والضّراوة.

نموذج المثقّف المناهض للفاشيّة

كان جورج شتاينر، أحد الرّموز المرموقين للنّزعة الإنسانيّة الأوروبيّة، قد أخبـرنا أنّه «أمضى السّنوات الطّوال من حياته وهو يحاول فهم سبب عجز الثّقافة بمثُلها السّامية، عن إعــاقة نزعة التوحّش في العالم، ومعرفة لماذا كانت الثّقافة دوما حليفة للبربريّة، والإطار الذي ينتظمها، والجوق الذي يردّد شعاراتها»؛ «لماذا أخفقت الثّقافة الكلاسّيكيّة في أبعادها الشّمـوليّة السّامقة، والعقل وما أحدثه من فتوحات علميّة باهرة، في حمايتنا من النّزعة اللإنسانيّة. ثمّ إنّنا لنتساءل:كيف يكون بوسع المرء استعذاب موسيقى لشوبارت في المساء، ليذهب بعد ذلك صباحاً إلى محتشد الاِعتقال والإبادة ويقوم بأشغاله في هناء. فلا الكتابةُ ولا القراءة ولا الفنّ، قد توفّقت في إحباط نزعة التوحّش واستئصالها من حياتنا. بل إنّ تلك الرّوافد الثّقافيّة غالباً ما تحوّلت إلى وسائل توشية لذلك التوحّش، وتوفير إطار منمّق له». تلك كانت الأسئلة التي أقضّت مضجع شتاينر، فحمل عذاباتها وحروقاتها، وهو لا ينفكّ عن طرح أسئلة كانت تظلّ دوما بلا أجوبة.

ثمّ إنّ المثاليّ في السّياسة، مهما بدا في ظاهره إنسانيّا ومتعلّقا بقيم العدل، كما المثاليّ في الديّن، الذي مهما بدا في ظاهـره متشبّثا بقيم الرّحمة والسّلام، غدا يحمل في طيّاته خطر الاِنزلاق على نحو درامي، في مهاوي التعصّب واللاّتسامح والشّراسة، بل إنّه قد يحمل بذور فساده، ليستحيل إلى أداة قهر وإذلال واستعباد، فيقود إلى الجريمة ونفي الآخر. ويتابع إدغــــار موران قائلا:«إنّ فشل»الحلم«الشّيوعيّ في الاِتّحاد السّوفييتي، الذي كان يَـعِـدُ النّاس بإقامة مجتمع إنسانيّ متآخٍ، ليماثل إلى حدّ ما الإخفاق الرّوحاني للمسيحيّة، حين تحوّلت إلى مؤسّسة، وطمست الرّسالة الأصليّة للمسيح». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف