• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

خصوم أميركا لن تقنعهم ضربةٌ صاروخية واحدة يتيمة بأن الولايات المتحدة عادت بالفعل إلى ممارسة استعراض القوة دفاعاً عن مصالحها والنظام العالمي

واشنطن والخطوة التالية في سوريا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 12 أبريل 2017

روبرت كاجان*

تُعد الضربات الصاروخية الأميركية ضد سوريا خطوةً أولى مهمة على طريق حماية المدنيين من تهديد الأسلحة الكيماوية، ولا شك أن الرئيس دونالد ترامب يستحق الإشادة لقيامه بما رفضت إدارة أوباما القيام به لسنوات، ولكن تحرك الخميس ينبغي أن يكون الطلقة الأولى فقط ضمن حملة هدفها ليس حماية الشعب السوري من وحشية نظام بشار الأسد فحسب، ولكن أيضاً وقف التراجع المتواصل للقوة والنفوذ الأميركيين في الشرق الأوسط وعبر العالم، فضربة صاروخية واحدة يتيمة لا تستطيع، للأسف، إصلاح ما تسببت فيه سياسات إدارة أوباما من أضرار خلال السنوات الست الماضية.

والواقع أن ترامب لم يكن مخطئاً حين حمَّل المسؤولية عن الوضع المزري في سوريا اليوم للرئيس بشار الأسد، ذلك أن العالم سيكون مكاناً مختلفاً اليوم لو أن أوباما نفّذ تهديده بضرب سوريا عندما تجاوز الأسد «الخط الأحمر» الشهير في صيف 2013، ولكن الاتفاق السيئ الذي عقده وزير الخارجية الأميركي وقتئذٍ جون كيري مع روسيا لم يفشل فقط في التخلص من مخزون سوريا من الأسلحة الكيماوية، وسمح لنظام الأسد بإلقاء البراميل المتفجرة واستخدام أعمال تعذيب واسعة ضد المدنيين رجالاً ونساءً وأطفالاً، ولكنه استدعى أيضاً تدخلاً روسياً شاملاً في خريف 2015، وهو ما أنقذ الأسد من انهيار ممكن.

واليوم، تعمل آلاف القوات الروسية عبر سوريا، ليس ضد تنظيم «داعش» بشكل رئيس، وإنما ضد السكان المدنيين وفصائل المعارضة المعتدلة المدعومة من الولايات المتحدة، كما قامت روسيا بتعزيز وجودها العسكري في شرق المتوسط بشكل كبير، والحال أن منظومة الدفاع الجوي والمنظومة المضادة للسفن الكبيرتين اللتين نشرتهما روسيا ليست لهما أي علاقة بمحاربة الإرهاب، ولهما علاقة قوية بتهديد مصالح الولايات المتحدة و«الناتو».

وقد أمضى أوباما وكيري أربع سنوات في السعي وراء هذه الشراكة، ولكن روسيا كانت شريكاً على النحو الذي تكونه المافيا عندما تأتي إليك وتضغط عليك في متجرك لبيع الملابس الرياضية، ثم إنه بفضل سياسات أوباما، أخذت روسيا تدريجياً تحل محل الولايات المتحدة كلاعب أساسي في المنطقة، لدرجة أن حتى حلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا ومصر وإسرائيل أخذوا يتطلعون بشكل متزايد نحو موسكو باعتبارها لاعباً إقليمياً مهماً. وإلى ذلك، سمحت سياسات أوباما أيضاً بتوسيع قوة إيران ونفوذها إلى حد غير مسبوق، حيث تملك إيران في سوريا 7 آلاف مقاتل على الأقل، وتقود ائتلافاً يضم 20 ألف مقاتل أجنبي، عراقيين وأفغاناً إضافة إلى 8 آلاف مقاتل من «حزب الله» اللبناني.

وإذا أضفنا إلى ذلك التأثير المدمر لتدفقات اللاجئين السوريين الكبيرة على الديمقراطيات الأوروبية، فإن سياسات أوباما لم تسمح بمقتل قرابة نصف مليون سوري فحسب، ولكنها أضعفت بشكل كبير أيضاً مكانة أميركا في العالم وسلامة الغرب وانسجامه، وسيتعين على المؤرخين مستقبلاً أن يكشفوا ما إن كان فشل أوباما في تنفيذ تهديده في سوريا هو الذي قوّى بوتين وشجعه على الانتقال إلى أوكرانيا، وما إن كان هو الذي شجّع الصين على التصرف بشراسة أكبر في بحر جنوب الصين. ولعل هذا ما جعل أصدقاء الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط وفي أوروبا الشرقية والوسطى يتساءلون حول مدى جدية الولايات المتحدة بشأن الرد على اعتداءات، لا بل إنه حتى في شرق آسيا، دفعت السياساتُ الأميركية حلفاءَ الولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية للتساؤل حول ما إن كان ما زال من الممكن الاعتماد على الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتها العسكرية.

ومما لا شك فيه أن ترامب فاقم هذه المشاكل بشكل كبير خلال حملته الانتخابية من خلال كل خطاباته القوية الموجهة للحلفاء، ولكنه اليوم خطا خطوة أولى مهمة على طريق إصلاح الضرر، غير أن هذا لن يمثِّل نهاية القصة، لأن خصوم أميركا لن تقنعهم ضربةٌ صاروخية واحدة يتيمة بأن الولايات المتحدة عادت بالفعل إلى ممارسة استعراض القوة دفاعاً عن مصالحها والنظام العالمي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا