• الاثنين 05 محرم 1439هـ - 25 سبتمبر 2017م

اعتدنا أن يبادر الناس في الأمة العربية إذا وقعت مذبحة أو سقط قتلى باتهام الحكومات والأنظمة وعدم تصديق أن المعارضة يمكن أن تفعل ذلك، فالحكومات دائماً مذنبة والمعارضة دائماً بريئة، لذلك لا يوجد في هذه الأمة يقين ولا توجد حقائق

ضريبـة الريبـة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 12 أبريل 2017

محمد أبوكريشة*

الإنسان حيوان يعتاد كل شيء. وأخطر ما في الكوارث العربية اعتيادها والتآلف معها، واللعب فيها على وتر الزمن. كل أزمات العرب بدأت كبيرة وصارت بعد ذلك صغيرة مع الاعتياد والتآلف.. أصبحت مآسي العرب مثل «علكة أو لبان» نلوكه وننساه في أفواهنا ونمارس حياتنا الطبيعية كأن شيئاً لم يحدث، كأن أحداً لم يقتل، وكأن قرى ومدناً بأكملها لم تتم إبادتها.

لم يعد أمر سوريا، أو ليبيا، أو اليمن، أو العراق يعني أحداً، حتى الأخبار صارت مملة وسخيفة ولا يطرف لها جفن. نشاهد المآسي العربية ونحن نأكل، ونشرب، ونضحك، صارت قضايا العرب مجرد خلفية لصورة حياتنا العادية. مجرد لوحة معلقة على الجدار لا نكاد نفطن لها. لا أحد يبحث عن حل لأن المآسي صارت عادية أليفة لا تؤرق أحداً. وضمرت خلايا الاندهاش والتعجب والإنكار والاشمئزاز. وأسوأ ما تبتلى به أي أمة هو موت الدهشة والذهول والفزع. لا شيء يهم، لا شيء يؤلم - لا شيء يشعرنا بالخجل والعار، حتى جرائم الإرهاب البشعة صارت يوميات عربية مألوفة. وعبثاً يحاول أصحاب الأقلام والمواقع والفضاء النفخ في مآسينا، لكنها انطفأت فينا وخمدت نارها في وجداننا، صار الحديث عن قضايا العرب مجرد ترف وقتل للوقت. صار حديث صالونات وقاعات مكيفة ومنتديات، صار حتى حديثاً بأجر للمتحدث. يقول ويقبض، يكتب ويصرف المكافآت، يحلل ويقفز من قاعة إلى قاعة، ومن منتدى إلى منتدى، ومن فضائية إلى أخرى وتتكدس الأموال في أرصدته البنكية. تنافس على القول والتحليل، ولا أحد يبدو مهموماً بما يجري من كوارث تضرب هذه المنطقة المنكوبة.

المتألمون والموجوعون والمهمومون بالأمة خرجوا ولن يعودوا.. نحن لا نريد حلولاً لمآسي العرب لأنها صارت من يومياتنا.. لم نعد نستطيع الاستغناء عنها.. وعندما تخمد النار في سوريا مثلاً يظهر في الأفق من يضرب «خان شيخون» بالكيماوي لعلّ الحريق الخامد يشتعل من جديد. ويشتعل فعلاً لكنه يعود للخمود حتى تقع مذبحة أخرى وقودها المدنيون، ويموج العالم، ويهيج مجلس الأمن، لكن لا شيء سوى زوبعة في فنجان. ويبقى الوضع على ما هو عليه، وعلى المتضرر أن يضرب رأسه في كل الجدران.

مآسي العرب صارت تجارة «وبيزنس»، يتاجر فيها المحللون والخبراء والكتَّاب والساسة في العالم العربي وفي الدول الأجنبية. يتاجرون ويربحون، لا أحد يريد حلاً لأن الحل معناه الخسارة وإغلاق المتجر.

وما يحدث الآن هو إدارة الأزمات وليس حلها. أو ربما تدوير الأزمات العربية مثل تدوير النفايات. إدارة المآسي العربية وتدويرها صارت حرفة وصناعة، حتى مأساة الإرهاب تتم إدارتها والتكسب منها. أزمات العرب وإرهابهم وكوارثهم هي التي تدير مصانع السلاح في العالم كله. وليس من مصلحة أحد حل هذه الأزمات.. ليس من مصلحة أحد القضاء على الإرهاب أو إنهاء أزمات سوريا وليبيا واليمن والعراق. وكلما خبت نار العرب، زادها العرب والأجانب سعيراً.

الأمة العربية والمآسي العربية صارت مثل جهنم يقال لها: هل امتلأت فتقول: هل من مزيد؟ وصراع العرب مع العرب أصبح مثل تخاصم أهل النار، ليست له نهاية، الكل يتعذب ولكنهم يتخاصمون ويتصارعون، وكلما دخلت أمة لعنت أختها. وكل فريق يقول عن الآخر: هؤلاء أضلونا ونريد لهم ضعفاً من العذاب. ولكل منا ضعف ولكن لا نشعر. صارت الأمة العربية كأنها جهنم الدنيا، تشهق وتفور، لكننا تآلفنا مع جهنم الدنيا، اعتدنا وليس إلى خروج من سبيل.

نسينا ما الوضع الطبيعي للأمة العربية، فقد تآلفنا مع المآسي حتى كأنها أمر طبيعي وعادي لا ينبغي أن يؤرقنا أو يؤلمنا. لا أحد الآن يذكر ليبيا، ولا تكاد تسمع لها ذكراً في الأخبار. لا أحد يذكر العراق.. حتى صارت التفجيرات والمذابح يوميات عراقية لا تستحق التوقف عندها. سوريا تضمر شيئاً فشيئاً، وتدمر تضمر رويداً رويداً. ولا أحد يعرف منْ ضد منْ في سوريا. واختلط الخائن العميل بالوطني المخلص. وعندما يتحدث الناس بلغة السلاح والقتل والذبح، لا يمكن أن تعرف المسيء من المحسن، ولا الأعمى من البصير، ولا الظلمات من النور، ومن على الحق ومن على الباطل، ومن الخائن ومن الوطني.

وفي مذبحة «خان شيخون»، لا يمكن الجزم والقطع بشيء سوى أن هناك عشرات الأبرياء قتلوا حرقاً بالغاز الكيماوي. نحن نعرف المفعول به في كل الكوارث العربية، وهم المدنيون والنساء والأطفال، لكننا لا نعرف الفاعل يقينا. كل الفرقاء في سوريا. كل المتصارعين في هذا البلد التعيس لهم مصلحة في هذا العبث وتلك المذابح. النظام السوري يريد إبادة القرى والمدن التي تخضع للمعارضة والإرهابيين. واستخدام الغازات السامة في حربه أمر وارد. فلا بأس من قتل عشرات المدنيين مع أفراد من المعارضة. والمعارضة تتخذ المدنيين دروعاً بشرية لتتوقى ضربات النظام، فلا بأس من ذبح مئات المدنيين لتعيش المعارضة والإرهابيون، كما أن المعارضة تمتلك ترسانة كيماوية لا شك في ذلك. ولا بأس من ذبح عشرات المدنيين لأن الهدف نبيل، وهو تشويه النظام. المهم أن المذبحة والقتلى الأبرياء يتفرق دمهم بين القبائل، وقد اعتدنا منذ الخريف العربي أن يقتل الإرهابيون وفي القلب منهم «الإخوان» بعضهم ليتهموا الشرطة. وقد حدث هذا مراراً في مصر، على طريقة المثل العامي المصري الشهير «يقتل القتيل ويمشي في جنازته». اعتدنا أن يبادر الناس في الأمة العربية إذا وقعت مذبحة أو سقط قتلى باتهام الحكومات والأنظمة وعدم تصديق أن المعارضة يمكن أن تفعل ذلك. فالحكومات دائماً مذنبة والمعارضة دائماً بريئة. والحكومة مدانة ولم تثبت براءتها، والمعارضة بريئة ولو ثبتت إدانتها، لذلك لا يوجد في هذه الأمة يقين ولا توجد حقائق. واللون السائد هو الرمادي الباهت والرؤية الضبابية الغائمة. والأمور مظلمة معتمة كئيبة. وهناك حالة عامة من الريبة، وترى الناس في أمتي سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. كأنها الفتنة الكبرى القاعد فيها خير من القائم والمضطجع خير من القاعد. والمدنيون الأبرياء لم يعد لهم ثمن ولا دية. والعالم يدير أزمات العرب ولا يريد حلها. والعرب أيضاً يديرون ولا يحلون. والناس في أمة العرب يدفعون ضريبة الريبة!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا