• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

«داعش» وآثار العراق.. تطهير ثقافي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 02 مارس 2015

يواصل «داعش» حملة العنف بلا هوادة، هذه المرة عبر مهاجمة التاريخ نفسه، حيث يُظهر مقطع فيديو جديد نُشر يوم الثلاثاء أعضاء من التنظيم المتطرف وهم يحطمون بوساطة المطارق والمعاول وآلات الحفر الكهربائية تماثيل وآثار قديمة في متحف الموصل شمال العراق. «لقد أمرنا رسول الله بتحطيم الأصنام والتماثيل»، يقول رجل ملتحٍ بقميص أبيض، بينما نقرأ في مقدمة الفيديو: «هذا ما كان يفعله الصحابة عند فتح البلدان». ويضيف الرجل قائلاً: «لأن الله أمرنا بتحطيم وتدمير الأصنام والتماثيل والآثار.. فعلينا أن نطيع.. حتى وإن كلفنا ذلك مليارات الدولارات». تدمير متحف الموصل ليس سوى أحدث عمل من أعمال «داعش» الرامية إلى القضاء على أي أثر للثقافة غير الإسلامية في العراق، بينما يسعى التنظيم لتحويل المنطقة إلى «خلافة» تحت سيطرته. ويقوم هذا العمل في جزء منه على إعادة كتابة التاريخ. وفي هذا الصدد، أفادت بعض وسائل الإعلام الأسبوع الماضي أن «داعش» قامت بتخريب وإحراق مكتبة الموصل العامة، حيث دمرت ما يزيد على 8 آلاف من الكتب والمخطوطات القديمة والنادرة. وقالت إيرينا بوكوفا، المدير العام لمنظمة «اليونيسكو» في بيان يوم الثلاثاء: «إن التدمير يمثل مرحلة جديدة في التطهير الثقافي الذي يرتكب في المناطق التي يسيطر عليها متطرفون مسلحون في العراق»، مضيفة: «إنه يضاف إلى التدمير الممنهج للتراث واضطهاد الأقليات بغرض محو التنوع الثقافي، الذي يمثل روح الشعب العراقي». هذا التكتيك يوصف بـ«الإبادة الثقافية»، وهو مصطلح يستعمله ديفيد نيرسيسيان، العميد المساعد للبرامج العالمية بكلية الإدارة التابعة لجامعة بوسطن، لوصف الهجمات التي تشن على مؤسسات مجموعة عرقية أو دينية، ويشمل ذلك لغاتها وطرقها وأعرافها التقليدية، ومؤسساتها الدينية.ويؤكد «إعلان حقوق الشعوب الأصلية» الصادر عن الأمم المتحدة حقوق أي مجموعة في ممارسة وحماية والحفاظ على ثقافتها وتقاليدها، غير أن أي اتفاقية لحقوق الإنسان تتوقف على النوايا الحسنة للدول المشاركة، كما أن الأشخاص «الأكثر ميلاً لارتكاب إبادة ثقافية هم الأقل ميلا للمشاركة في أي مخطط طوعي لحقوق الإنسان»، وفق نيرسيسيان. تدمير ونهب الفن زمن الحروب يعود إلى العهدين اليوناني والروماني. وفي التاريخ الحديث، قام كل من أدولف هيتلر وجوزيف ستالين بـ«نهب وسرقة وتدمير الملكيات الثقافية لبعضهم البعض من مجموعات خاصة وعامة». والشيء نفسه يمكن أن يقال عن أطراف الحرب الوحشية في البوسنة والهرسك خلال التسعينيات، وفق أندراس ريدلماير، الخبير في التراث الثقافي بجامعة هارفرد الأميركية. ففي دراسة أنجزها، كتب ريدلماير يقول إنه إذا كانت ثلاث سنوات من الحرب في البوسنة قد أسفرت عن 4 ملايين لاجئ و200 ألف قتيل، فإن «الخسائر الثقافية لم تكن أقل فداحة». وتابع يقول: أكثر من ألف من مساجد البوسنة، ومئات الكنائس الكاثوليكية، وأعداد من الكنائس الأورثودوكسية، والأديرة، والمكتبات العامة والخاصة، والأرشيفات، والمتاحف.. تعرضت للقصف والحرق والتفجير. بل إنه حتى الأنقاض كانت تزال من قبل المتطرفين القوميين من أجل إكمال «التطهير» الثقافي والديني للبلاد، التي بسطوا سيطرتهم عليها.

وقد حدث ذلك في أفغانستان عام 2001، عندما راحت «طالبان» تدمر الآلاف من تماثيل بوذا عبر البلاد، كما قام أعضاء «القاعدة» بإحراق مكتبة ملأى بالمخطوطات التاريخية عند فرارهم من مدينة تمبوكتو في مالي عام 2013.

إن مهاجمة الأعمال الثقافية لشعب من الشعوب هي هجوم على هويته. لذلك، فإن الألم والحزن اللذين شعر بهما العراقيون بعد تدمير كنز وطني كانا كبيرين جداً. ويقول عقيل قطا الذي غادر الموصل إلى المنفى قبل سنوات: «لقد كنا نذهب إلى المكتبة في السبعينيات، وكانت تمثل معلماً من معالم الموصل الكبرى».

ومن جانبه، يقول ريان الحديدي، وهو ناشط ومدون من الموصل: قبل تسعمائة عام، تم جمع كتب الفيلسوف العربي بن رشد أمام عينيه، ثم أُحرقت، فلما رآه أحد تلاميذه يبكي وهو يرى الكتب تُحرق، قال بن رشد: إني لا أبكي على الكتب لأن للأفكار أجنحة، ولكني أبكي على حالنا اليوم.

جيسيكا ميندوزا - بغداد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا